صحيفة النهار – علي حمادة
ما كادت تهدأ في لبنان حتى اشتعلت في سوريا. ما حصل في الأيام الأخيرة في سوريا يؤكد في مكان ما أن الأزمة فيها تحتاج إلى مسارات سياسية تقوم على القرار الأممي رقم ٢٢٥٤ الذي ينقل سوريا من مرحلة الحرب إلى مرحلة الحوار السياسي، تمهيداً للتغيير ضمن الاستقرار. فاستمرار سوريا أرضاً محتلة من أربع قوى دولية وإقليمية هي أميركا، وروسيا، وإيران وتركيا، إضافة إلى إسرائيل التي تحتل أجواء البلاد طولاً وعرضاً يبقي الجرح مفتوحاً، لا سيما أن النظام هو الحلقة الأضعف بين القوى الموجودة على الأرض.
ومن الصعب جداً أن يتهرب من الاستحقاقات السياسية التي تقوم على مصالحات، وتغيير دستوري، صيغة متطورة بعد فشل الصيغة المركزية القائمة على القوة العسكرية. من الواضح أن تهرب الرئيس بشار الأسد من معالجة قضايا جوهرية فاقم الأمور، فرفضه العمل جدياً على معالجة أزمة النزوح واللجوء، واعتماده الزائد على الميليشيات الإيرانية المنتشرة في البلاد، وعدم التفاته إلى خريطة الطريق العربية التي قُدمت له بنهاية ٢٠٢٣ أبقى حكمه في عزلة، وزاد من وهنه الأمني، لا سيما بعدما انهار “الحزب” في لبنان في الشهرين الماضيين. ومن هنا أهمية أن يدرك الحكم في سوريا أنه لا يمكن التهرب على الدوام من الاستحقاقات الكبيرة، وانتظار أن تأتي التطورات لمصلحة ترسيخ معادلة قديمة تخطاها الزمن.
صحيح أن الأمن في سوريا مطلب إقليمي ملحّ. وصحيح أن دولاً وازنة في الإقليم انفتحت على دمشق لتفتح أمام الحكم فيها نافذة عربية للإفلات من المشروع الإيراني الذي لا يولّد سوى الحروب في المنطقة. لكن الصحيح أيضاً أن النافذة كانت فرصة جرى تفويتها أكثر من مرة على مدى الأعوام الماضية. ولذلك عندما ضعفت القبضة الإيرانية بفعل الهجوم الإسرائيلي المضاد في لبنان وسوريا، فتحت الأبواب أمام العامل التركي لكي يملأ فراغاً لاح أمامه في الشمال السوري مستغلاً رفض الرئيس الأسد التطبيع، والعمل على المشاركة في حل أزمة اللجوء السوري. ومعروف أن العامل الإيراني أدّى دوراً أساسياً في منع استكمال الانفتاح العربي، ومعالجة القضايا الملحة التي تضمنتها خريطة الطريق العربية.
وأهم عنصر في الحرب التي عادت لتشتعل في سوريا، وجانب مهم منها، مرتبط بالصراع الإقليمي على تقاسم مواقع نفوذ على الخريطة السورية، وخصوصاً أن الدولة السورية تعاني من وهن شديد ومديد. ومع أن إيران بدأت تحشد موارد لاحتواء التوسع التركي، الذي يعكسه تقدم الفصائل المقربة من أنقرة، وتلاقيها موسكو بالضربات الجوية والمواقف السياسية الحادة، فإن سوريا ستبقى ساحة تصفية الحسابات الإقليمية. وبما أن إسرائيل تفضل أن لا تدعم الفصائل المقربة من تركيا في توسّعها جنوباً، غير أنها لا ترتاح لاحتمال أن تبلغ الفصائل المذكورة مدينة حماة، والأهم مدينة حمص أو البوابة الشمالية للبنان. ما يناسب إسرائيل هو توازن بين القوى المحتربة في سوريا، وبقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم كما هو لا أكثر ولا أقل.
المهم بالنسبة إلى تل أبيب أن يبقى سيف الضربات مصلتاً فوق رأس “الحزب” في لبنان، ورأس إيران في سوريا. أما واشنطن فهي الرابح الأكبر من كل ما حصل في الأشهر الثلاثة المنصرمة أكان في لبنان أم في سوريا. تبقى الولايات المتحدة ناظم الصراعات في إقليم الشرق الأوسط.