
قال الكواكبي “إن الاستبداد هو صفة لسلطة تتصرّف في شؤون الرعية، كما تشاء، بدون خِشية حسابٍ ولا عقاب…”، ورُبَّ قائلٍ إن الاستبداد هو من الخطايا العظيمة، وهو من المحرَّمات التي ينتجُ عنها التخلّف السياسي والاجتماعي، في أيِّ وطن، وهو العامل الأهم في ترسيخ الانحطاط، بإطباق الديكتاتوريّين المتعسِّفين على الشعب، وعلى أنظمة الحكم، ما يقود الى التأخّر في مواكبة النهضات، بأسلوب اغتيال التنوير والحرية.
في سوريا، نشأ الاستبداد بواسطة حكم الفرد المطلق الذي استولى على السلطة بالقوة والعنف، واستمرّ بفِعل الوراثة، فسقط الظنُّ بأن الوارث هو أفضل أسلوبًا من مُوَرِّثِه، فكانت النتيجة المحتَّمة هي الخيبة التي أُصيب بها الشعب، ولكن، من دون الترحّم على السَّلف.
في سوريا، عرف الاستبداد أشدَّ مراتبه ظُلمًا، بحيازة الحاكم سلطةً شموليّة، حوَّلَت العلاقة بين الحاكم والناس، إلى علاقة قامع ومقموع، وتابع ومتبوع. وقد اغتالت هذه المعادلة السلبيّة مفهوم الحرية التي تشكّل العدوّ الأبرز للمستبد، فالحرية تقود، وحدها، الناس في الطريق التي تنتهي إلى زوال الجَورِ والظّلم، والتحكّم الشرس بالمصائر. لذلك، حصرَ المستبد اهتمامه بقمعِ أيِّ حراكٍ جماهيريٍّ مدفوعٍ بفِعل الحريّة، خوفًا من أن يستطعمَ الشعب بشعور الحرية، فلا يقبل، بعد ذلك، بالعودة الى الوراء.
فمَنْ تلفحُه نسائمُ الحرية، لا يرضى بأقلَّ من الاستمرار بتنشُّقِها، ولو كان الثمن حياتَه بالذات. إن الأمثلة على قمعِ الناس، في سوريا، ليست قليلة، من دَكِّ المناطق بالمدافع والصواريخ، وقتلِ الناس بالبراميل المتفجّرة التي تحتوي على موادَّ كيميائية مُحَرَّمة، واقتياد الكثيرين من المناضلين إلى غياهبِ الزّنازين، وإلى غيرِ إفراج…
إن نظام الأسد، في سوريا، قام على استئثار الأب، وبعدَه ابنه، بالسلطة، استنادًا إلى جملةِ ثوابت رسَّخَت استبدادهما، وأبرز الثوابت، قابليّة حافظ وبشّار لممارسة الاستبداد، وغياب هامش الرفض أو المواجهة من جانب الشعب المقموع، وإجبارُ الناس على تأليه المستبِدّ… وهي ثوابتُ لم يحتَج الطّاغيان إلى أكثر منها لتمتينِ قهرِهما، وتسلّطهما، واستمراريّتهما في التحكّم، على مدى عقود.
لقد أدّى خوف الشعب السوري، خدمةً جُلّى لصاحب السلطان وإقطاعه، فاعتاد الناس، مرغمين، على نمطِ حياةٍ انطبع في أذهانهم، ونفوسهم، وأصبحوا منقادين له وأَسرى، يخشَون محاولة الخروج من بين قضبانه. وقد أدَّت ممارسةُ الطّغيان، بأنواعه المختلفة، إلى غياب حيثيّة العلاقة بين المتحكِّمِ والمحكومين، والتي يجبُ أن تقوم على معادلة الحقوق والواجبات، وعلى أنّ الحاكمَ ليس قدّيسًا لا يُخطِئ، ولا يرتكب الموبقات، وما أكثرَها. وغاب عن النّاس، أيضًا، أن وعود المستبِدّين بالإصلاح، هي تلفيقاتٌ وأحاديث خبيثةٌ ومزيَّفة. أمّا أبرز ما تلطّى خلفَه حافظ الأسد، وبعدَه بشّار، فهو مقولةُ الأمن الوطني والقومي، ومصلحة البلاد العُليا، وأنّ سوريا مهدَّدة بعدوٍّ غاشمٍ هو إسرائيل، ما حدا بالأسد الأب الى عسكَرةِ المجتمع، وتعليق الدّستور، والاستعاضة عنه بمراسيم اشتراعية توافقُ مَكرَه، وخداعَه، ومصالحَه، واستئثارَه بثرواتِ البلاد، واستعبادَه الرعيّة، وعلى خُطاهُ سارَ الأسدُ الإبن.
إن الرّبيع العربيّ الذي امتدَّ إلى رِحابِ سوريا، لم يكنْ من قبيلِ الصّدفة، فقد وعى النّاسُ أنّ التِّرياقَ الشّافي لن يكونَ إلّا بالنّاسِ أنفسِهم، ويتجلّى بثورةٍ تقضي على الجزَّارِ الذي رَكَنَ الى القَهرِ والتّرهيب بأجهزةِ أمنِهِ، مستخدِمًا ما لا يمكنُ تَخَيُّلُه من وسائلَ إجراميّة، انسحبَت على السوريّين، وكذلك، على اللبنانيّين السياديّين الذين قاوموا تَعَسُّفَ الوصيِّ السوريّ، فكان مآلُهم الى السّجونِ المؤبَّدة، أو الى المقابر، ولائحةُ الشّهداءِ والمفقودين طويلة.
إن مشروعَ الاستبداد الذي سادَ داخلَ بُنيةِ المجتمع السّوري، والذي امتدّ الى لبنان إبّان فترة الانتدابِ الأسَديّ، ونشلَ الدّولتَين بطريقةٍ نمطيّة، وبمساعدةِ جبناء في الدّاخل، وعُملاءَ في لبنان، كان لا بدّ من انتفاضةٍ تواجهه وتهيّئ لبَديله. وهكذا، وفي موعدَين مختلِفَين، تمَّ إشعالُ فتيل الانفجار لدى الطَّرفِ المُحتَقِن، في لبنانَ، أولًا، ومن ثمَّ في التركيبة السّورية، فطُرِدَ الأسدُ من لبنان، وفرَّ، البارحة، من الشّام.
إن انتفاضةَ الرابع عشر من آذار، وثورة المعارِضين في سوريّا، قد حوَّرتا، بقوى المقهورين، مسارَ التاريخ، بمعنى أن ما بعدَ الانتفاضةِ والثّورة، يختلفُ عمّا قبلَهما، فهما حالةٌ حتميّةٌ ضدَّ الطّغيان، والاستبداد، والظّلم، والذلّ، والاستئثار، والتّصفيات. ومهما قيل، فمن المؤكَّدِ أنّ ما يلي نظامَ القهر، لن يكون أشدَّ قُبحًا منه.