
لعله خطأ متعمد، تطرقت اليه الصحافية غادة حلاوي حين ساوت بين سمير جعجع وجبران باسيل. الأكيد أنه خطأ متعمد لترفع من شأن الثاني، المتهم بأكبر ملفات الفساد والممالق الأول الذي حاول لسنين وسنين الملحسة والتقرب من “الحزب” لمكاسبه الشخصية ولو كان الأمر على حساب كرامة لبنان، فحاولت حلاوي الإنقاص من وزن الأول وثقله السياسي الكبير والمؤثر في المشهد السياسي اللبناني، كونه مناضل عتيق تغمس في المقاومة والعمل العسكري، ثم سجنه النظام السوري بسبب ثباته على مواقفه المناهضة للاحتلال ولهيمنة السوريين على البلاد، فغرقت في خطيئة اللاموضوعية كي لا نقول التجني، فاقتضى التصويب سيدة غادة.
تكلمت الصحافية عن تراجع دور المسيحيين والخطر الكبير عليهم في ظل انهيار النظام السوري، لماذا يا سيدة؟ وهل هي التجربة الأولى المريرة التي يمر بها المسيحييون ويخرجون، لن نقول منتصرين ولكن على الأقل حافظوا على ثباتهم وبقائهم الصلب في المشهد السياسي، وعندما نتكلم عن المسيحيين نقصد هنا “القوات اللبنانية” تحديدًا، التي تصوبين السهام إليها من دون أي منطق مقنع، أما المسيحييون الاخرون الذين لحقوا بميشال عون، فهؤلاء تحولوا الى الآخر، اي الى الخصم بسبب لحاقهم بركب سلطة الاحتلال السوري ولو خفية، ثم بركب الاحتلال الإيراني عبر “الحزب” علنًا، فاقتضى أيضًا التصويب.
تنتقد الصحافية ما أسمته “طموح” سمير جعجع في المرحلة الراهنة، عبر إصراره بأن اللعبة انتهت بالنسبة لـ”الحزب” وجماعة سوريا، معتبرة انه يقتنص اللحظة!!! والله والله أمر غريب هذا الكلام، اذا لم يقتنص جعجع الان الفرصة وكل لحظات الانتصار تلك، لاستعادة الدولة وهيبتها من أنياب الاحتلال، فمتى يفعل؟ هل الطموح الهادف الى عودة الجمهورية القوية خطيئة؟ هل الطموح لانتشال الدولة من احتلال الدويلة عمالة؟ هل الطموح بأن يسترجع المسيحيون دورهم القوي الفعال في لبنان والدول العربية جريمة؟ طيب هل الطموح بأن يشكل المسيحييون والمسلمون السياديون في لبنان، قوة ضاربة لمواجهة أي عودة لأي احتلال أو هيمنة، وتأسيس دولة قوية بجيشها ومؤسساتها عيب مثلا؟!
الغريب هنا انك تتهكمين ساخرة من أن سقوط النظام وهزيمة “الحزب”، جعلت المسيحيين في وضع افضل! عن جد؟ طبعًا أكيد سيكون الوضع أفضل بكثير وسنقتنص هذه الفرصة الذهبية التي دفع ثمنها سمير جعجع تحديدًا وشخصيًا، والقوات اللبنانية عمومًا، أثمانًا باهظة جدًا، اعتقالات استشهادات بالجملة لأحلى الشباب واشجعهم، تعسف ملاحقات تهميش، والى ما هنالك حتى الأمس القريب جدًا جدًا، على أيدي ميليشيا إيران وأزلام السفاح بشار الاسد، ومع كل ذاك الحصار، حافظ المسيحيون على دورهم الفاعل ووجودهم الحر، بسبب القوات اللبنانية التي ثابرت على المطالبة بحقوقهم وعلى مواجهة اي محاولة من محاولات التهميش القاتلة تلك عبر السنين، مع الملاحظة بأن المسيحيين لم يقووا الآن بعد انهيار النظام وهزيمة الحزب، المسيحيون اقوياء اصلا بفعل كونهم مسيحيين اولا، وبسبب علة وجودهم في هذا الشرق، وهم السبب الرئيس في استمرارية الجمهورية اللبنانية منذ تاريخ الاستقلال الاول حتى اللحظة، حتى اللحظة وبحدها الادنى، بسبب ثبات واصرار البطريركية المارونية على الإبقاء على دور المسيحيين كجوهرة هذا الشرق من جهة، وبسبب نضال وشجاعة المقاومة اللبنانية من جهة أخرى، ولسنا بحاجة لظرف طارىء من هنا أو من هناك لنثبت قوتنا، فاقتضى التصحيح الشديد اللهجة اذا جاز التعبير.
إشارة هنا لا بد منها، من قام بحروب العبث، مثل حرب التحرير ومن بعدها حرب الالغاء، ولعل أحد مقربيه، أحد مصادر الصحافية حلاوي، هو من أضعف دور المسيحيين وكاد ان يمسحهم بالكامل، بعدما انهكهم بحروب مدمرة عبثية لا طائل منها، أدت الى تفعيل دور جيش الاحتلال السوري في البلاد، وإحكام قبضته على لبنان من جهة، وبالتالي إضعاف الدور المسيحي في تلك الفترة بسبب سجن قائد القوات اللبنانية واضطهاد عناصرها ومنعهم من العمل السياسي، فاقتضى على الصحافية حلاوي، الا تنسى هذه الواقعة التي قلبت مقاييس الدور المسيحي في لبنان وجعلته الأضعف على الاطلاق في تاريخ المسيحيين بارض الأرز والبخور.
“انا ما بيحملوني لاني حقيقي وبقول الاشيا متل ما هي ولا اوارب” قال سمير جعجع حين سألوه عن إمكانية ترشحه للرئاسة. واضح جدًا أن الصحافية حلاوي من هذه الفئة التي لا تتحمل صراحة ومبدئية سمير جعجع، لانها تعلم في اعماقها انه والقوات أصدق طرف سياسي في لبنان على الاطلاق، ولذلك وكما كثر من الخصوم والأقرب منهم بعد، لا يتحملون القوة المسيحية التي يمثلها الحكيم، فيهربون منها الى مقالات تحط من قدر دوره ودور المسيحيين من جهة، ووضع قوة المسيحيين الحقيقية في جعبة صياد فرص مثل جبران باسيل وأمثاله.
نطمئنك نحن اقوياء بما فيه الكفاية، وسنتصيد اي فرصة، اي فرصة ممكنة لاستعادة وطننا الجريح، وهذا صيد مشروع ليس لالتهام عصفور الدوري من هنا أو دجاجة ارض من هناك، بل ليكون الصيد الثمين والغلة الطيبة، دولة قوية بجيشها وشعبها وحكومتها، واذا كان الطموح هنا تهمة، فنحن المسيحيون الاقويا، اقوياء لاننا متهمون بالطموح ثم الطموح ثم الطموح، ليكون لنا وطنًا على قدر طموح الاجيال المتقدمة، وعلى قدر قيمة هذا الوطن العظيم الذي اسمه لبنان ويعني قلب الله، فاقتضى الامتنان الكبير لان فيه مسيحيين على طرازنا. مفهوم؟
