
لا يوجد على هذه الكرة الأرضية مقاومة كتلك التي تُسمّي نفسها “مقاومة” في لبنان، فبعدما كان لبنان مُحرراً بالكامل بموجب القرارين 425 و1701، وبعدما كان لبنان يحتفل بعيد “المقاومة والتحرير” في 25 أيار، عادت هذه “المقاومة” فاستجلبت الاحتلال إلى لبنان، بعد 11 شهراً من صولات وجولات وزيارات كل دبلوماسيي العالم لإقناعها بوقف إطلاق الصواريخ على “الاحتلال الاسرائيلي” الذي يمكث خلف الخط الأزرق المعترف به دولياً، تحت طائلة استجلابه إلى لبنان لاحتلال جنوبه مجدداً، لكنها لم تقتنع ولم تتوقف، إلى أن جاءت بالاحتلال اليوم من جديد، حتى تقول بأنها تريد الاحتفاظ بسلاحها لتقاومه!، فيا لها من مهزلةٍ سخيفة!.
هذه الدوّامة من الخراب والدمار والفشل هي مجرد مسارٍ دائري يسلكه كل من يستنفد الحجة، ويخسر كل أوراق التين التي كان يستر بها نفسه للاحتفاظ بسلاحه غير الشرعي، مما يدفعه اليوم لاختراع ورقة تين جديدة اسمها “مقاومة الاحتلال الاسرائيلي” و”التصدي للخروق”.
فالغاية بالنسبة لهذه “المقاومة” تبرّر الوسيلة، وغايتها هي الاحتفاظ بالسلاح لقمع اللبنانيين وانتهاك السيادة والاستمرار بعدوانها على لبنان المستمر منذ اتفاق الطائف، وليس تحرير الأرض بالطبع، لأن الأرض كانت محررة بالكامل، ومع ذلك احتفظت بسلاحها واستخدمته في الداخل اللبناني، لذلك فلا مانع لديها من استخدام وسيلة استدراج العدو لاحتلال الأرض، من أجل تحقيق غاية التمسك بالسلاح، بحجة “مقاومة” هذا الاحتلال.
تعتقد هذه “المقاومة” أنه من خلال التذاكي وكسب الوقت والهروب من قدرها المحتوم بضرورة تسليم سلاحها والانخراط في مشروع الدولة، يمكنها تغيير الوقائع والتلاعب بالمتغيّرات مع الوقت، لكي تعيد لبنان إلى حقبة ما قبل 8 تشرين الأول، غير أنها لا تُدرك أنه كلما أصرّت على الهروب إلى الخلف من هذا القدر الآتي المحتوم، خصوصاً بعد توقيعها على اتفاق هوكشتاين وموافقتها الموضوعية على ملحقه الأميركي-الاسرائيلي، كلما كانت الحفرة التي تنتظرها أعمق وأعمق وأعمق.
فـ”العدو” الذي تقول بأنها تنتظره من الجنوب قد يأتي إليها من الشمال والشرق بصورة مختلفة، وإسرائيل و”التكفيريون” وجهان لعملة واحدة بالنسبة لها تستوجب “مقاومتهما” بالتوازي، وإذا أصرّت هذه “المقاومة” على التمسك بسلاحها بحجة أنها “مقاومة”، عليها إذاً أن تقوم بواجباتها كاملةً في “المقاومة” انسجاماً مع ما تقوله عن نفسها، وأن تعدَّ العدّة للانتشار على حدود لبنان الشمالية والجنوبية والشرقية بطول 500 كلم تقريباً، تحسباً لوصول “التكفيريين” بحسب أدبياتها، لأن المقاومة يُفترض بها أن تقاوم كل الأخطار، وليس خطر إسرائيل فحسب.
فهل تمتلك الإمكانات والقدرات والموارد لممارسة دور “المقاومة” الذي تدعيّه على طول الحدود اللبنانية، والذي على أساسه تريد التمسك بسلاحها، أم أنها ستسلّم للجيش بحماية الحدود الشرقية والشمالية، بعدما سلّمت له بحماية الحدود الجنوبية؟، وماذا يبقى من كل شعارات “المقاومة” إذاً؟.