.jpg)
رنّ الهاتف. ظهر اسم المتصل: شارل جبور.
قال: عمر أين أنت؟!
قلت: في البقاع الغربي.
قال: أعرف أنك بعيد. لكن هناك احتفال بمناسبة سقوط النظام السوري في معراب، ونحب أن تشاركناه. هل تستطيع القدوم؟!
لم أفكر. مباشرة قلت: سأتحرك الآن..
كنت أتوقع أن يسقط هذا النظام، لكني ما توقعت يومًا أني سأحتفل بسقوطه في معراب، ومع الحكيم.
فأنا من بيت فقير أقل من عادي. لم تقم فيه منذ ولدت أي حفلة.
لم نحتفل بزواج أي منّا.. إذ لم يعطنا الفقر ما يكفي لنحتفل، ولو لمرة.
فكيف أرفض هكذا دعوة؟!
رحت أقود، وأشكر الله. إنه امتنان حافظت عليه منذ أن غادرت سجن المخابرات السورية في تسعينيات القرن الماضي، وإلى اليوم كلما أتاني فرح؛ لجأت إليه.
كان الرفاق في الكحالة قد أقاموا احتفالًا. سلمت، وباركت فرحهم. أكملت طريقي. بعد حاريصا تجمع الرفاق أيضًا يحتفلون، ألقيت السلام، وباركت، ومشيت.
لم أكن أعلم أن المدعوين إلى معراب قليلون. تذكرت السموأل:
تعيّرُنا أنا قليلٌ عديدُنا
فقلت لها إن الكرام قليل.
دخل سمير جعجع ككل أبناء القرى الذين عرفتهم، بشوشًا يرحب بضيوفه. يصافحهم بقلبه.
أهم ما جاء في كلمته: الإقرار بفضل الله ومشيئته، وإرادته برحيل الأسد.
ثمّ نزل عن المنصة. يصفّق مع الموسيقا، ويتمايل منتشيًا.
لم يكن انتشاء مظلوم بسقوط ظالم. كان انتشاء نبتة أرز، شقّت الصخر وفتتته، فنمت غابة.
نعم. غدت القاعة غابة أرز. سماؤها نضال وجهد عمره خمسة عشر ألف شهيد ويزيد.
غنّى سمير جعجع، غنى بصوت عالٍ. سمعناه جميعنا. صفّقنا عن كل الذين تمنوا أن يصفّقوا في هذه اللحظة.
غنّى مع جوزيف عطية:
لبنان رح يرجع.
غنّى مع زكي نصيف:
راجع راجع يتعمّر. راجع لبنان.
لم يكن يغنّي طربًا. كان يؤكّد لنا، للبنانيين، للعالم هذا الرجوع.
الرجوع الذي انتظره شهداء صنين، والأشرفية، وزحلة والمرفأ وكل لبنان. الرجوع الذي أراده بشير الجميل، ورينيه معوض، ورفيق الحريري، وحسن خالد، وكمال جنبلاط، وجبران تويني، وسمير قصير و…
دبك سمير جعجع. كانت قدمه تضرب الأرض بقوة. توقظها.تؤكّد لها أننا مالكوها الأصليين. مالكوها الحقيقيين. مالكوها إلى الأبد بإرادة من الله.
ثمّ وقف وسط المكان. يتحدّث إلى هذا. يصغي إلى ذاك، ويتصوّر مع الرفاق.
كان إلى جانبي إبني الكبير.. رجاني أن يذهب معي، لأن الطريق طويلة والوقت ليلًا.
كان يصفّق بقلبه، ويكزني بكوعه، ليخبرني بملامحه عن دهشته، وإعجابه بالحكيم.
في طريق العودة، سألني: هل سيكون الحكيم رئيسًا؟!
قلت: يا ولدي، ليست كل المكاسب كتلك التي في عقول الكاسبين. إن أعظم المكاسب تلك التي تعلّمنا من نكون، وأين نكون، وبمَ نكون. ولمَ نكون. وكيف نكون.
صمت، ثم سألني: هل كنت تعلم بشأن الاحتفال والدعوة؟!
قلت: وحده الله كان يعلم. لم تكن صدفة أبدًا..
أراد الله أن يعوضني عن كل ما عانيته من نظام الأسد في حياتي. جعلني أحتفل بأعظم سقوط في أوضح مكان، وأعلى جغرافيا، ومع سمير جعجع.
فشكرًا لله.
شكرًا لمعراب.
وشكرًا لـ”القوات اللبنانية” على ليلة، أرّخنا فيها لعودة لبنان من جديد.