للوهلة الأولى اعتقدنا ونحن نستمع الى جبران باسيل، أنه لا يعرف من هو بشار الأسد، وربما لم يسمع بهذا الاسم قبلًا، فكل اللبنانيين، خصوصًا الذين اعتقلهم، وركّب لهم الملفات، واغتالهم، وأبعدهم عن الدولة، نظام الأسد الأب والإبن وحلفائه الداخليين، كانوا في الحقيقة أحباب بشار الأسد وحلفائه، أمّا جبران باسيل الذي تنعّم بالمغانم والمقاعد والمفاسد والابتزاز التعطيلي، وشارك حلفائه فرحة اغتيال السياديين والاعلاميين، وتوزيع البقلاوة، وتشويه الصورة، فلم يسمع باسم الرجل، ولولا حصول الثورة أخيرًا وسقوط بشّار وانهيار أزلامه في لبنان، وانتفاء حاجة وصوليي لبنان وزاحفيه اليه، لما كان له شرّف التعرّف على اسم وصورة وتاريخ تلك “الشخصية السياسية المغمورة” في الشرق الأوسط.
هو ليس حبيب وصديق وحليف وتوأم روح محور الدكتاتورية والشر في لبنان والشرق الأوسط، ولم يكن يومًا كذلك، فيما كل الآخرين، ما عداه هو، ونظام البعث، والحزب القومي، وحزب السلاح، كلهم أصدقاء لنظام الأسد وحلفائه، ومستفيدين منه.
تنصّل الطفل المعجزة من أي معرفةٍ سابقة له بنظام الغرائب والعجائب و”المعجزات” في سوريا، ولكنه لم يتمالك نفسه من الدفاع عنه بالإيحاء والتلميح، قائلًا عنه بأنه “نظام علماني”. وقف شعر بدني، الرجاء ورقة كلينكس عالسريع لمسح الدموع تأثرًا، محذرًا أولئك الذين يحتفلون اليوم بسقوطه بأنه “ربما كانوا يرقصون فوق قبورهم”.
وطالما أن هذا النظام بتلك “العلمانية” وذلك “الجمال” الذي يُفترض بنا عدم الاحتفال بسقوطه، فلماذا لم تكن حليفًا وصديقًا وحبيبًا له أيها النزيه، الشريف، الجميل، العلماني، يا محبًا للبشر أنت؟ لماذا تتنصل من علاقتك السابقة به يا جبران؟
أيُعقل أن يكون هناك نظامٌ علماني، متسامح، محب، خلوق على حدودنا، وتُضيّع على اللبنانيين والباسيليين فرصة التحالف معه، والتودد اليه، والتقرب منه، بما انكما في الشبه واحد، ويخلق الله من شَبَه بشار… باسيل؟
هل نفهم من كلامك مثلًا بأنك كنت معادٍ طيلة الفترة السابقة لنظامٍ بهذا الجمال وهذه العلمانية وهذه الرقّة، وهذا التسامح؟
هل نفهم منك مثلًا بأنك كنت تساهم بحفر قبر هكذا نظام خلوق نزيه، طالما أنك لم تكن صديقه وحليفه وحبيبه مثلما تقول؟
أرجوك لا تقل لنا بأنك كنت وسطيًا، لا معه ولا ضده، فطبيعة هذه الأنظمة لا تعترف بالوسطيين، وأنت الأدرى كيف تفكر العقول الديكتاتورية يا “مربى دلال” الضابط الصغير في جيش الأسد الكبير أنت، فهذا النظام يفكر تمامًا على طريقة “مدام، أنا الرئيس والوزراء الستة”، “أمّا مع الطائف أو ضدّه”…
يمكنك مراجعة كلام البطريرك المعتدل الحكيم نصرالله صفير عن طريقة التفكير تلك: “النظام في سوريا ليس له أصدقاء في لبنان، بل مجرد عملاء”.
حتى الصداقة يستكثرها على “اصدقائه” هذا النظام، فهل يقبل بك وبحلفائك، على نفس الليستة، البعثي والقومي وحزب السلاح، مثلًا، وسطيين، لا معه ولا ضده؟
فيا “عميل بشّار”، أو يا “عدو بشار”، لأنه لا مكان لوضعية سياسية ثالثة تجاه هكذا نظام، ولك الخيار والاختيار، لكن لا تقل لنا بأنك كنت لا معه ولا ضده، فلن يُصدقّك أحد، وسيضحك عليك بشّار مسترخيًا داخل الجاكوزي في موسكو.
أمّا بعد، فيا عميل بشار أو يا عدو بشار، نقول لك بالنسبة لموضوع “علمانية” نظام الأسد الذي تتشدق به بكل وقاحة فوق قبور مئات آلآف المقتولين، وملايين المشردين، وعشرات آلاف المسجونين ظلمًا وقهرًا عدوانًا، الذين حفروا بدمائهم وقهرهم وعذاباتهم قبر الأسد وكل أذنابه الحقيرين، هذه “العلمانية” هي دكتاتورية، وشتّان ما بين العلمانية والدكتاتورية.
الدولة العلمانية هي الدولة المدنية، وهي أن يكون الشعب هو مصدر التشريعات، لا الدين، ولا الديكتاتور، ولا أي جهة ثانية؟ فهل هذا هو الحال في نظام الأسد؟
ماذا يقول دستور نظام الأسد يا جبران:
المادة 3: دين رئيس الجمهورية الاسلام، الاسلام مصدر رئيسي للتشريع.
فمن أين جئتنا بعلمانية النظام؟ ريتها العصا تعلّم على جنابك يا جبران.
هذا طبعًا في الشكل، لأن دين رئيس الجمهورية في سوريا لم يكن الإسلام بالفعل، بل الدين العلوي، حتى وإن اعتنقت عائلة الأسد المذهب السنّي إمعانًا في التمويه والتضليل للتمكّن من حكم الأكثرية السنيّة في سوريا، وكل الشعب السوري، بقبضةٍ ديكتاتورية من حديد.
والإسلام ليس مصدر رئيسي للتشريع في سوريا، بل عائلة الأسد حصرًا، التي كانت تُشرّع كما تراه مناسبًا لمصلحتها، فإذا كان إطلاق سجناء داعش من سجونها لقتل المسيحيين والأقليات وتشويه صورة الإسلام السنّي يخدمها، سارعت الى تشريع إطلاق سراحهم وإصدار العفو عنهم، وتصوير نفسها بمظهر النظام “العلماني” حامي الأقليات من خطر السنّة، وأوعزت لعملائها الصغار في دول الجوار بالتسويق لهذه الصورة، كما حصل عام 2012 مثلًا.
فحاشى أن تكون منهم يا جبران، خصوصًا وأنك لم تكن تسمع باسم بشار الأسد من قبل!
وإذا كانت مصلحة عائلة الأسد تقتضي بالتطبيع مع إسرائيل، سارعت الى تشريع اتفاقيات الهدنة ووقف إطلاق النار في الجولان، وأوعزت لحلفائها في الجوار بتسعير الحرب انطلاقًا من جنوب لبنان، فاتحةً لهم خطوط الإمداد العسكري، ولكن ليس لمقاومة الاحتلال في الجولان، بل لتدمير لبنان والسيطرة عليه، فتضمن بذلك بقاء نظامها واستقراره تجاه إسرائيل، وتضمن بالمقابل استحواذها على دعم المنظمات المذهبية المدعومة من إيران بمواجهة أي معارضةٍ سنية لنظامها، وتضمن أيضًا وأيضًا بقاء مصالحها وعملائها في لبنان، عبر منع قيام دولةٍ سيدة قوية قادرة.
اذًا، فالنظام الأسدي يا باسيل، ليس نظامًا علمانيًا، لا في الشكل ولا في المضمون، بل هو نظام دكتاتوري اوتوقراطي مصلحي مذهبي يلعب على التناقضات لحماية مصالحه، ولا يهمه لا اقليات ولا غير أقليات، بل مصالحه فقط، هل تذكر ماذا فعل هذا النظام “العلماني” الذي تتحسّر عليه بالمسيحيين في لبنان؟ يا الله كم كانت “جميلة” علمانية هذا النظام في ضهر الوحش، وسوق الغرب، وبيت مري؟ وقبلها في زحلة وقنات والأشرفية…؟ ما أجمل هذه العلمانية التي دعاها ميشال سابقًا بـ “نظام السجون والقبور”…
هل توضحّت الصورة في رأسك عن العلمانية، “ريتها” العصا تعلّم يا جبران؟
اما لجهة هذا التحذير الذي أطلقته للمحتفلين اليوم بسقوط بشار الأسد من مغبّة أن يكونوا “يرقصون فوق قبورهم”، فيا ريتك بتبكي لترتاح، ألهذه الدرجة أنت ممغوص ومخزوق من فرحة المقهورين والمعذبين والمضطهدين في لبنان وسوريا طيلة 54 سنة من حكم الطغاة أعداء الله والإنسانية والضمير؟
دع الناس تفرح قليلًا يا رجل كردّة فعلٍ عفوية على كل هذا الظلم، قبل أن نفكّر بما سوف يحصل بعد سنة أو عشرة أو عشرين سنة؟
ألم تسمع بعبارة يخلق الله لكم ما لا تعلمون؟
من كان يقول بأن بشار الأسد سيسقط في هذا الظرف العصيب على أيتامه، ويترك هؤلاء الأيتام والعملاء يبكون ويُحذّرون ويقلقون؟
انتظر قليلًا يا جبران، لربما كانت فرحتنا مجرد فاتحةٍ لأفراحٍ أكبر وأكبر نرقص فيها سويةً أيضًا بانتخاب رئيسٍ مسيحي قوي، يفرض دولةً قوية محمية عربيًا ودوليًا في لبنان، ويحمي من خلالها هؤلاء المحتفلين اليوم، “من الرقص فوق قبورهم” مستقبلًا.
أم لأنك ممغوص تريد فقط تعكير بهجة الفرحة على المحتفلين، ولكن من دون المساهمة بتقوية وضعية “القلقين الخائفين” الذين تحاول تخويفهم، بالإيحاء والتلميح، من الطائفة السنّية في الاقليم، بل تمعن بالعمل على إضعاف هذه الوضعية أكثر فأكثر.
إذا كنت صادقًا في تحذيرك يا جبران، وليس لمجرد المغص والقهر على جاري عادتك، فالطريق للحوؤل دون حصول كل ذلك صارت معروفة، وتبدأ بوصول رئيس مسيحي سيادي لبناني متآلف مع الأكثرية في الإقليم، وكل ما عدا ذلك هو من شيطان نظام بشار وأيتامه الصغار… أيها الضنين على مستقبل المسيحيين، يا حنون يا رؤوف يا محبًا للبشر أنت.
وأخيرًا يا جبران، سنحتفل وسنرقص فوق قبر كل نظام ديكتاتوري بائد وستبقى الأفراح في ديارنا الشرق أوسطية عامرة بإذن الله وبإذن التاريخ وبإذن الانسانية، وسندع الموتى الممغوصين المهزومين أمثالك يدفنون موتاهم…