
بما أن حزب السلاح انتصر على إسرائيل في جنوب لبنان، فيما إسرائيل المُنهكة استجدت منه ومن الحكومة اللبنانية والولايات المتحدة وقفاً لإطلاق النار، بحسب ما يدعّيه هذا الحزب بذاته.
وبما أن هذا الحزب يعتبر سوريا جزءاً من “وحدة الساحات” ومن محور الممانعة بمواجهة إسرائيل، خصوصاً أن الطرف المنتصر فيها اليوم ليس بعيداً عن توجّهات حركة ح في غزّة وفلسطين.
وبما أن إسرائيل اجتاحت أراضٍ جديدة في الجنوب السوري منتهكةً اتفاقية الهدنة، فما الذي يمنع حزب الممانعة من شن حرب “إسناد الجنوب السوري” أسوةً بما فعله “إسناداً لغزة”؟.
ما الذي يمنعه من التوجّه إلى سوريا لمقاومة “الاجتياح الصهيوني الغاشم”، اسوةً بما فعله “إسناداً لنظام الأسد” بمواجهة شعب سوريا طيلة 13 عاماً من الجرائم والقتل والإرهاب والتطهير العرقي بالكيماوي؟.
ثم، من قال إن وجود سوريا في ما يُسمّى “محور الممانعة” و”وحدة الساحات” كان حِكراً على حماية النظام الأسدي فقط، وليس شعاراً مبدئياً يُفترض به أن يشمل سوريا كدولة وشعب بمواجهة “العدو الاسرائيلي الغاشم”، مثلما أتحفنا بذلك محور الممانعة طيلة عشرات السنوات للسيطرة على الشعوب العربية وترويضها لمصلحة ايران؟.
في الحقيقة، هذا الحزب الذي هو عاجز عن مجرد مقاومة ما يعتبرها “انتهاكاتٍ” إسرائيلية يومية لجنوب لبنان، والتي هي فعلياً جزء من اتفاق وقف إطلاق النار الذي يحاول الحزب التعتيم على بنوده وملحقاته الأميركو- إسرائيلية أمام جمهوره، تحت طائلة استكمال إسرائيل حربها ضدّه وتكبيده مزيداً من الخسائر الفادحة، وهذا الحزب الذي هو عاجز عن إسناد سوريا بوجه احتلال إسرائيل لأراضيها، بعدما انسحب بدوره من موضوع إسناد غزّة، “كيف إلو عين” أن يتحدّث بعد عن مقاومة وعن سلاح مقاومة، وعن كل هذه الشعارات الفارغة التي أثبتت فشلها من ألفها إلى يائها؟.
والأنكى من ذلك كلّه، أن هذا الحزب الذي تخلّى عملياً عن كل موضوع المقاومة وكل موضوع “إسناد غزة”، حمايةً لما تبقّى منه وتكريساً لامتيازاته داخلياً في لبنان، يحاول اليوم أن “يخرب بيت” الثوار السوريين الذين قتلهم ونكّل بهم وشرّدهم واضطهد أهلهم، بالتكافل والتضامن مع نظام الأسد المجرم، أكثر بآلاف المرّات ممّا فعلته إسرائيل بكل الشعوب العربية مجتمعة.
هذا الحزب يحاول اليوم تحريض الثوّار السوريين على التصدي للاجتياح الاسرائيلي الحاصل للجنوب السوري، ولكن بعدما تخلّى هو نفسه عن مقاومة إسرائيل في جنوب لبنان، وذلك لمجرد أن يفتح خطاً مع هؤلاء الثوّار تحت شعار “مقاومتهم” المشتركة “للعدو الغاشم”، موجداً لنفسه موطىء قدمٍ تسليحي جديد عبر سوريا، حتى لو كان ثمن ذلك هو تدمير ما تبقّى من سوريا ومؤسساتها المدنية، وإلحاق الأضرار الجسيمة عسكرياً بالثوار السوريين، وتوريط الشرق الأوسط في حروبٍ فاشلة لا طائل منها، ممّا يُضعِف هؤلاء الثوار في مواجهةٍ غير متكافئة مع إسرائيل، ويستحوذ الحزب بالمقابل على غطاءٍ سوري موضوعي لإبقاء القديم على قدمه في لبنان، والتمدد باتجاه سوريا ومحاولة وصل ما انقطع من أذرع محور الشر من جديد، ويكون بالتالي هو المستفيد الأكبر من كل ذلك، والثورة السورية هي الخاسر الأكبر.
ولا نعتقد أن الثوار السوريين بحاجة لانتصارات جديدة وحروب جديدة على غرار “انتصارات” الحزب في لبنان وحروبه التي أدّت إلى تدمير كل شيء، بل إن الانتصار الفعلي الذي حققه هؤلاء الثوار بمواجهة أخطر ديكتاتورية أخطبوطية متخلفة متحالفة مع كل الإرهاب العالمي حول العالم، هو أكبر انتصار ممكن لأي شعب أن يُحققه عبر تاريخه، ويكفيه زوّادةً من الانتصارات الالهية والانسانية والديمقراطية لعشرات السنوات إلى الأمام.
فالشعب السوري شبع ظلماً وجوعاً وحروباً وقتلاً وتشريداً ودماراً طيلة أكثر من نصف قرن متواصلة، والزمن اليوم هو زمن إعمار، ونهوض، وبناء دولة على النموذج الإماراتي أو السعودي أو القطري في تطورها وقوتها وانفتاحها، من خلال سلاح العلم والحضارة والازدهار والإعمار والاعتدال الذي يحتاج إليه السوريون وأشقاؤهم اللبنانيون أيضاً، وليس سلاح الموت والارهاب والدمار والكاتيوشا والديكتاتورية والشمولية الذي يختبىء خلف شعار “مقاومة” إسرائيل، والذي لم يُستخدم في الحقيقة إلا لقهر الشعوب وقمعها وقتلها وقصفها، أو في أفضل الأحوال لاستجلاب الموت والدمار والفشل والانهيارات لهذه الشعوب، وليس لإسرائيل.
مبروك للشعب السوري أكبر انتصارٍ ممكن لأي شعبٍ أن يُحققه عبر التاريخ، أما موضوع احتلال إسرائيل لأجزاء من الجنوب السوري فُيمكن معالجته على طريقة معالجة حزب الممانعة لموضوع احتلال إسرائيل لبعض بلدات جنوب لبنان، من خلال تكليفه الرئيس نبيه بري التفاوض مع إسرائيل عبر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، وبلا كل الشعارات التدميرية الفارغة، وبلا بطيخ.