
إذا كان المتوجّسون والقلقون والخائفون داخليًا واقليميًا وسوريا ودوليًا من التحوّلات التي حصلت اخيرًا وباتت تصّب في خانة قيام دولةٍ فعلية في لبنان، على عجلة من امرهم لـ “تهريب” رئيس كيفما كان، للحد من خسائرهم، والحفاظ على مكتسباتهم وصفقاتهم ومحاصصتهم وارتكاباتهم ومعابرهم غير الشرعية وسلاحهم، في العهود القديمة، وحمايتها مستقبلًا، فالسياديون ليسوا مستعجلين أبدًا على إيصال هكذا نوع رئيس هو في الحقيقة، وفي أفضل الأحوال، مجرّد تمديد للفراغ الرئاسي وإعاقة قيام دولةٍ لبنانية فعلية.
تجربة التمديد لإميل لحود عشيّة التحولات الكبرى مع اقرار القرار 1559 والدفع باتجاه خروج جيش الأسد من لبنان، والتي عوض أن تطيح بدربها النظام الأمني البائد، أطاحت بالرئيس رفيق الحريري وكوكبةٍ من قيادات ثورة الأرز، وأعاقت قيام دولةٍ فعلية مزدهرة في لبنان طيلة 20 سنة. هذه التجربة أصبحت من الماضي البغيض، ومن جرّب المجرّب كان عقله مخرّب.
إذا كان القلقون من التحوّلات الكبرى مستميتين للإتيان برئيسٍ كيفما كان لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، فاللبنانيون السياديون المطمئنون الى أن “الغد لنا” ليسوا كذلك أبدًا، بل يريدون انتاج رئيسٍ قوي سيادي صاحب قرار واضح، تربطه اطيب العلاقات مع الدول العربية والغربية، ومع الأحرار أينما كانوا، ويكون صناعةً لبنانية مئة بالمئة، لا صناعة عملاء الأسد وبقايا محور “وحدة الساحات” غير اللبناني.
فإمّا أن يأتي رئيس من طراز بشير الجميّل أو فؤاد شهاب أو رينيه معوّض أو كميل شمعون، أو “عمرها ما تكون رئاسة”.
موقع الرئاسة هو موقع مخصص للمسيحيين أولًا وللمسلمين معهم في تركيبة النظام اللبناني، والغالبية الساحقة من هؤلاء المسيحيين ومعهم غالبيةً من المسلمين السياديين، هذا هو موقفهم أيضًا، ونحن الذين نريد أن “نربّي” ذقننا، فلماذا يا من انت غير سيادي تتعب من هذه الذقن؟
إذا كان محور “وحدة الساحات” مستعجل على إيصال رئيسٍ من مخلفات الماضي، أو رئيس وسطي بلا طعم ولا لون ولا رائحة، حتى يُبقي الدولة معطلّة على أقل تقدير، ومرتهنة لإيران وللسلاح غير الشرعي على أبعده، فليتفّق هو أولًا فيما بينه على مرشح موحّد، ولينزل به الى مجلس النواب، قبل أن يطالب غير المستعجلين على مشاركته في انتاج رئيسٍ كيفما كان.
لا تحاولوا رمي كرة التعطيل في ملعبنا عبر الإيحاء بأنكم لا تقبلوا بوصول رئيس لا توافق عليه “القوات اللبنانية” والمعارضة السيادية، اخرجوا من هذه اللعبة المكشوفة، واذهبوا انتم للاتفاق فيما بينكم أولًا، من ثنائي السلاح وآحادي باسيل ومن لف لفّكم، وليخرج دخان المرشح الأسود من مواقدكم، ومن ثم نُخرج لكم الدخان الأبيض لمرشح السياديين الخاص بنا.
لقد وصلنا اليوم الى مرحلةٍ لا رمادية فيها، فإما أبيض أو أسود، اما دولة أو لا دولة، اما احادية سلاح أو تفلت ميليشيات، اما ازدهار واعمار وعلاقات عربية ودولية، أو عزلة وفشل وموت وانهيار، ودمار، وكوريا شمالية، نظام أسد، وإيران.
كل مسعى للتوافق بين الأبيض والأسود، هو مجرد مكسبٍ كبير للأسود وللدمار والخراب، وخسارة كبيرة للسيادة والنهوض والازدهار، خصوصًا في تلك اللحظات والتحولات المفصلية في التاريخ التي يُفترض باللبنانيين الاستفادة منها لمصلحتهم، وليس مشاركة مكاسبها وتحوّلاتها مع تحالف الفساد والسلاح الذي خرب البلد، واوصل الى الفراغ بالأساس.
في لبنان اليوم مبادئ مطلقة غير قابلة للانقسام، مبدأ السيادة واحادية السلاح وقيام الدولة القوية من جهة، ومبدأ السلاح الميليشياوي و”وحدة الساحات” والتحايل على القرارات الدولية من جهة ثانية، فكيف سيتمكّن اي رئيسٍ رمادي يأتي الينا تحت مسميّات “التوافقية” من الجمع والتوفيق بين هذه المبادئ المطلقة غير القابلة للانقسام؟ كيف سيُوفّق بين الكُفر والإيمان؟ وبين الدولة واللادولة؟ الم نتعلّم بعد اين أودى بنا هكذا نوع “توفيق”؟ هل نريد أن يتدمر ما تبقى من لبنان وان يصل الدولار الى مليون ليرة وأن يهاجر ما تبقى من شبابنا بعد لأن وصولي رمادي أبو ملحمي ما يريد تكرار تجربة العماد ميشال عون في التفاهم مع كل الاطراف المتناقضة للوصول الى الموقع، وبعد وصوله يتفق مع الكل وضد الكل بنفس الوقت، ويتخذ اللاقرار سلاحًا لمواقفه، ويراوغ في كل الاتجاهات حتى يُسيّر شؤون صغائر عهده، ويتكلم بالعموميات أو بأمور لا علاقة لها ببناء دولة حرة سيدة قوية، حتى لا يزعل منه فلان ويعتب عليه علتان، والضحية هو الشعب اللبناني بأسره؟
ما هي توجهات هكذا رئيس رمادي مثلًا لتدوير الزاوية في قضية السلاح غير الشرعي التي باتت مبتوتة ومنتهية دوليًا ولبنانيًا بموجب القرارات الدولية وموافقة الحكومة اللبنانية على اتفاق هوكشتين؟
هل سيعيد اللبنانيين الى نغمة “طاولة الحوار” في بعبدا للبحث في موضوع الاستراتيجية الدفاعية، لمجرد أن يتنصّل هو من أن يكون رجلًا وصاحب إرادة وشجاعة وقرار، منكبًّا لتنفيذ ما جاء في القرارات الدولية ومقررات الحكومة الحالية، خصوصًا بالنسبة لموضوع السلاح، بلا كل هذا اللف والرغي والزبد والرمادية والدوران؟
كيف سيتصرف أي رئيسٍ وسطي لا طعم ولا لون ولا رائحة له، إزاء موضوع الفساد وشبكة المصالح داخل مؤسسات الدولة التي تُصيب كل لبناني في الصميم؟
هل سيدعو الى طاولة حوار في بعبدا أيضًا للبحث في موضوع مكافحة الفساد؟ أم سينشئ وزارة صف حكي تحت مُسمّى وزارة “مكافحة الفساد” فيما وصوله الى موقعه الرئاسي كان مرتهنٌ بالأساس لهؤلاء الذين يقبضون على الدولة منذ اتفاق الطائف، ولكل ما هو مناقض تمامًا لـ”مكافحة الفساد”!
هل يمكن لأطرافٍ معاقبة دوليًا أو متهمة بالإرهاب أو خسرت خياراتها السياسية والاستراتيجية داخليًا وإقليميا ودوليًا أن تأتي بين بعضها البعض برئيسٍ
معاكس لاتجاه التاريخ وإرادة الشعوب، ومسار التطور والتغيير؟
كيف سيكون عليه واقع الحال في لبنان حينها؟
لا شك بأن اللبنانيين سيترحمون على النموذج الفينزويلي أو نموذج نظام الأسد، وعندها يجب على أهل الجنوب والبقاع والضاحية الا يمتعضوا إذا لم تأتِ أي مساعدات لإعمار بيوتهم، وإذا أتى الزهيد منها ذهب 50% جعالة وكوميسيون لجبران باسيل مثلًا، كونه يمتلك حصة 50% من “الرئيس العتيد” أصلًا… وكلما كانت حصة باسيل بالرئيس “الجديد” أكبر كلما كانت الجعالة أكبر بالتوازي!
إذا كانوا مستعجلين على إيصال رئيس فما عليهم سوى الاتفاق على رئيس فيما بينهم، أو التصديق على الرئيس الذي يطرحه السياديون في هذا البلد، وبهذه الطريقة نخوص الانتخابات بمواجهة مرشحهم وليربح من يربح حينها، إنما نكون حافظنا على قناعاتنا ومبادئنا ورفضنا المساومة معهم على سيادة وحرية وازدهار لبنان الجديد وليحكموا وحدهم إذا أرادوا، والشعب سيحكم عليهم عندها.
أو فليحصل التوافق، ولكن على المرشح السيادي الذي يطرحه السياديون، خصوصًا أن المستعجل هو من يجب ان يُقدّم التنازلات، لا المرتاحين على وضعهم والمطمئنين.
فكم وكم من المرّات التي بادلونا فيها بعبارة “من استعجل على الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه”، حان دورنا لنقولها لهم هذه المرّة!
