
أمام الشعاع المكتمل من الحرّيّة التي أوجدها الواجد مع موجوداته، يجنح الإنسان إلى اعتقال ذاته بذاته وفي عمق ذاته من خلال أفكار وعقائد ومبادئ تؤيّده بالسياسة والاجتماع وحتّى الاقتصاد والعسكر، وتجعله أسير وجود لا يشبه الوجود الذي وُلد فيه حرًّا. ونجح الإنسان نتيجة لاستعماله وزنة التفكير العقلي والمنطقي بنقل هذه الأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها من الإطار الفردي إلى الإطار الجماعي، حتّى باتت النّظرة الجماعيّة هي المعيار الذي انبثق من مبادئ وأفكار بعض الأفراد حول واقع سوسيولوجي أو سياسي أو اقتصادي أو عسكري. وهذا ما بات يعرف بالإيديولوجيا التي أصبحت هي مرجعيّة التفكير وبوصلة توجيه سلوك الأفراد والمجتمعات.
في بدايات نشوء هذا المصطلح مع الفيلسوف الفرنسي “أنطوان ديستوت دي تراسي” Antoine Louis Claude Destutt, comte de Tracy في أواخر القرن الثامن عشر، حيث أطلقها لتوصيف علم الأفكار، كان المصطلح يستخدم بشكل محايد للدلالة على منظومة فكرية معينة. غير أن كارل ماركس Karl Marx وفريدريك إنجلز Friedrich Engels أسهما بشكل حاسم في تطوّر النظرية من خلال نقدهما للإيديولوجيا البرجوازية، التي حسب زعمهما تخفي استغلال العمال وتخدم مصالح الطبقات العليا. من منظور ماركسي، تُعتبر الإيديولوجيا أداة تستخدمها الطبقة المهيمنة للتحكّم بالوعي الجماعي للطبقات المضطهدة.
مع نهوض هذه الأفكار المدنيّة بدأ العقل البشري يتحرّر من الأدلجة التي نجحت الأديان بممارستها عليه طيلة قرون من الزمن، حيث شكّلت الأدلجة الدينيّة مسارًا حياتيًّا قاد الإنسان في السياسة والاجتماع والاقتصاد على مدى سنين، وصولًا حتّى العام 1789 عندما قالت الثورة الفرنسيّة كلمتها ونجحت بتحرير الفكر البشري من الأثر الديني، في محاولة للارتقاء به وتطويره ونقله من عالم الغيبيّات إلى عالم الوقائعيّات. فصار أثر أدلجة العقول في السلوك السياسي والاجتماعي والعسكري للجماعات المحدِّد لمصيرها عبر التّاريخ.
ولم يكن المدني أقلّ ضررًا من الديني على الإنسان؛ بل نجح الفكر المدني باستئصال الهيمنة الفكريّة الدينيّة، ولكثرة تحرّره منها، تفلّت من الضوابط الأخلاقيّة حيث نجحت الأديان عبر التّاريخ بصوغ مفهوم الأنسنة وفقًا للأخلاقيّات الإلهيّة. وقد وصل التفلّت الأخلاقي إلى عمليّة إخلاء أخلاقي للإنسان من إنسانيّته؛ فانتقلنا بهذه المرحلة من الأنسنة إلى التشيّؤ، لا بل التَّرَقُّمِ، ولا سيّما مع التطوّر الرّقمي الذي يشهده عالمنا. فبات الإنسان شيئًا جامدًا، عوض أن يكون فاعلًا حيًّا على صورة خالقه؛ لا بل رقمًا تُختَصَرُ أهميّته بقدرة الآخر على توظيفه لخدمته، بغضّ النّظر إن كان خيرًا أم شرًّا.
ولاحقًا، وبخاصة في السياقات السياسية، أصبح هذا المصطلح يشير إلى دلالات سلبية عندما يعمل على فرض أفكار معيّنة أو تسخير الفكر لخدمة أهداف سياسيّة. ولعلّ هذا ما نشط خلال الفترة الممتدّة في القرن العشرين عندما تبنّت الشيوعيّة والفاشيّة والنّازيّة الأدلجة كأداة سياسيّة في فرض سياسات الدّول. فصار الإعلام والتربية والتعليم مؤدلجًا وموجَّهًا صوب الهدف الذي يريده هذا الفكر أو ذاك.
وعوض أن تتعلّم المجتمعات العربيّة والشرقيّة من التجربة الأوروبيّة الفاشلة، اتّخذت النموذج القومي في بناء الأحزاب، وبعدها ارتقت نحو التوتاليتاريّة المبعثنَة عروبيًّا، وتبنّت الأدلجة مفهومًا لتنمية فكرها الحزبي. فجنح القوميّون نحو تأليه “الزّعيم” . واستنسخوا النموذج النّازي في فكرهم العقائدي. ونجحوا بتشويه الفكر الإنساني وتقزيمه، بإغرائه ثقافيًّا؛ لكن تمّ حصره في تمجيد الزّعيم فقط؛ وشذّبت الأوطان وتمّ تقصيب حدودها حتّى باتت وطنًا واحدًا لا يشبه واحدًا منها. فمات الإنسان ليحيا الزّعيم. وماتت الأوطان لتحيا الأمّة. وراح البعثيّون أبعد من تأليه “الرئيس البعثي” صوب تأميم النّظام مخابراتيًّا وأمنيًّا حتّى بات الصوت الواحد والأحد هو النّاطق باسم عامّة النّاس. فسقطت الحرّيّة شهيدة على مذبح الوحدة العربيّة، ومات الإنسان لحساب النّظام.
مع الانتقال إلى الجمهوريّات المستقلّة والمرقمنة في الغرب، عاد بعض من المكوّن الحضاري الشيعي في لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، وقام بمزاوجة إيديولوجيّة بين جزء من الفكر الديني الواحد الأحد، والفكر المدني ـ الذي عسكرته التجربة البعثيّة – وقام بإسقاط العقل المخابراتي فيه، هذا الجزء بالذات اتّحد مع الدّيني لينتج أنموذجًا إيديولوجيًّا هجينًا على يد النّظام الإيراني. هذا النظام الذي نجح بتصديره إلى عواصم أربع، ومنها جزء من بيروتنا.
لكنّ هذا النّوع الجديد من الأدلجة لم يتّعظ من تجربة الأدلجة الدينيّة التي تبنّت الإسلام السياسي الذي تحوّل مع الإيديولوجيا إلى فكر إرهابي تطرّفي. فقام بتهجين هذا النموذج ثقافيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا مع الفكر الدّيني والسياسي الذي نجح في بنائه عبر منظومة دينيّة غيبيّة، اعتمد فيها على سرديّة تاريخيّة، فيها من الغلوّ العقائدي، ما وصل إلى حدّ التعطيل العقلي الذي تجاوز حدّ التّخدير. وعاد وكرّر نسخة 11 أيلول الأميركية في نسخة السابع من تشرين الأوّل الغزّاويّة.
واقع الأدلجة اليوم
في العصر الحديث، ترقمنت الأدلجة حتّى صارت هدفًا يُرتجى، وباتت أسطورة يعمل الاقتصاد السياسي على بنائها من خلال الإعلام الرّقمي بهدف السيطرة على العقول بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال استغلال الخوارزميات ووسائل الإعلام الاجتماعية في نشر أفكار معينة، وتقسيم الرأي العام، وتشكيل وعي عند الأفراد بما يخدم أهدافًا محددة للجماعات. والخطورة في ما يحدث اليوم أنّ هذه الجماعات باتت تحمل أهدافًا مضمَرَة تعمل على تفتيت النواة المجتمعيّة الأولى، أي العائلة، بهدف ضرب المجتمعات البشريّة لتحويلها من جماعات مجتمعة إلى أفراد مُتَفَردِنَة، تغلب فيها الأنانيّة والمنافسة الماركنتيليّة وتمجيد الذات إلى حدّ التأليه على كلّ ما هو حبّ واحترام وعمل من أجل الآخر المختلف.
تلعب الأدلجة اليوم دورًا كبيرًا في النزاعات العالمية، حيث يتم استخدام وسائل الإعلام بشكل واسع لتعبئة الجماهير حول قضايا معينة، مثل الصراعات في الشرق الأوسط أو القضايا الاجتماعية كحقوق المرأة والمناخ والجندرة وغيرها من القضايا. ولهذا النّهج أدواته المستحدثة كالأدوات الإعلاميّة التي أشرنا إليها آنفًا والتي باتت المكوّن الرئيس للرأي العام، أو حتّى لتعطيله أحيانًا.
والأخطر في ما يحدث، في عمليّة التعطيل هذه، أنّ الرأي العام تعمى بصيرته الاقتصاديّة والسياسيّة في الصراعات الإيديولوجيّة التي يتمّ إقحامه في وسطها؛ فينصرف حينها أصحاب العقول المخطّطة لتنفيذ مشاريعهم الاقتصاديّة التي تقوم على مبدأ التشيّؤ وتجريد الإنسان من إنسانيّته. هذا ما وصل في بعض البلدان المتقدّمة تكنولوجيًّا ورقميًّا إلى حدّ “تَحَيْوُنِ” الإنسان من خلال ممارسات حيوانيّة بحجّة عيش الحرّيّة إلى أبعد حدودها. فصار الإنسان عبدًا لإيديولوجيا تأدلج فيها بطريقة غير مباشرة نحو فلسفة التدمير الذاتي.
وحذارِ من الأخطر بعد، أي أن تتحوّل هذه الأدلجة إلى مناهج تربويّة تعلميّة تنشّئ الأجيال الصاعدة على أفكار تدميريّة لقتل ما تبقّى من إنسان داخل العقول التي تطمح بعيش المستقبل اليوم، وبحقن الماضي الحاقد خدمة للحاضر المتهالك. وهذا ما سيؤثّر حتمًا في الاستمرار على الاستقرار والعيش معًا كبشر على صورة الخالق، لأنّنا نكون حينها قد نجحنا في نزع هذه الصورة منّا. فهل سننجح بقتل هذا الإنسان فينا من خلال سجنه بهذا الفكر، حيث فشل أسلافنا بقتله بوساطة حضارة التحرّر والتطوّر والتكنولوجيا وصولًا إلى الإيديولوجيا المستحدثة التي أخلت الإنسان من ذاته؟
كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1759
مات الإنسان… يحيا الزعيم
ماتت الأوطان… تحيا الأمَّة
الأدلجة سجن أم تحرّر؟
|للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]