“أبيض أحمر”.. كان لا بد من نفض الغبار عنها

حجم الخط

أوراق الحرب… لطالما تمنينا أن نطويها إلى الأبد. أن تصبح مجرد أوراق في كتب يقرأها جيل ما بعد الحرب الأهلية ويتعلّم منها دروسًا. لكنها بقيت مشرّعة على فصول ستُكتب أيضًا بالأبيض والأحمر لكن في ما يسمّى بزمن السلم.

ثمة من سيقول: “لماذا تعيدون فتحها اليوم؟ ولماذا تعودون إلى تلك الأيام التي دمّرت البشر والحجر وهجّرت الآلاف وسقط فيها مئات الآلاف من الأبطال الذين حملوا البندقية والرشاش دفاعًا عن الوجود وكرامة الإنسان، عدا عن المعتقلين والمعوقين؟”.

صحيح أننا في كل 13 نيسان نقول “تنذكر وما تنعاد”، لكن من قال إن الحروب تُخاض فقط بالمدفع والرشاش والراجمات واليوم بالمسيّرات؟ ثمة حروب أكبر وأشد خطرًا على الوجود، وكما وقف الأبطال على الجبهات لمواجهة كل من يجرؤ على اقتلاع اللبنان من جذوره وتاريخه وهويته وثقافته سنحارب لكن بسلاح الكلمة والإرادة والصمود والموقف!

نفتحها لنقول إلى كل من تَربّى ويُربي جيلاً على ثقافة الحرب ويهيئ لحروب تحت شعار “المساندة” حينا، والدفاع عن أرض الآخرين حيناً آخر، وإسناد جبهات لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل… اتعظوا!

نفتحها ليس بهدف إعادة إحياء أحقاد وحفر أثلام الكراهية ورفع السواتر النفسية بين اللبنانيين. نفتحها لتكون عبرة لجيل جديد لم يتعرّف إلى حقيقة تاريخه وماذا فعل المحتل بأرضه وشعبه وماذا خلّف وراءه من أوراق كُتِبت بدماء الشهداء.

نفتحها إكراما وتقديراً لشعب يعشق الحياة ويؤمن بوجوده وهويته اللبنانية التي نسجها نساك قنوبين وباركها القديسون، أن الأوطان لا تُبنى بالتسويات ولا تُحكم بقوة السلاح والإستيلاء على الدولة القانون والمؤسسات.

نعم نقولها بالفم الملآن: لا للحرب إلا دفاعًا عن أرض وهوية وكرامة شعب يستحق العيش في وطن وجمهورية قوية. والتاريخ يشهد على قوافل الشهداء التي لا تزال تستقبل أبطالاً استشهدوا في زمن السلم على أيدي مجرمين وحاقدين ومستظلين بهيبة السلاح.

إنها أوراق الحرب… نعود إلى صفحاتها مع شهادات دوّنها الإعلامي والمسعف السابق رائد جرجس في كتاب بعنوان “أبيض أحمر” صادر عن دار سائر المشرق يروي فيه فصولا من محطات عاشها مسعفون في الصليب الأحمر اللبناني خلال المعارك وفي سطورها سيتعرف الكثير من الجرحى من خلال الأحرف الأولى لأسمائهم على “الملاك الأبيض” الذي أنقذ حياتهم، وسيقرأ أهالي شهداء كثر تفاصيل اللحظات الأخيرة لأولادهم قبل أن ينتقلوا إلى أحضان يسوع.

ومع هذه الروايات المكتوبة بالأبيض والأحمر نستذكر محطات فكّرنا أننا طويناها إلى الأبد لكن كان لا بد من إعادة نفض الغبار عنها.

بالأبيض والأحمر الذي جمعه جرجس في كتاب اختصر فيه عمل الصليب الأحمر وتضحيات المسعفين بأربع كلمات “إلى ما وراء الواجب”، تنشر “المسيرة” في كل عدد فصولا تحاكي جيل الحرب وما بعده..

مآسي صفحات حربٍ لم تنتهِ

خرج ولم يعد… “ليش ما رجع البابا؟”

•من كتاب “أبيض أحمر”… شهادات لمسعفين في الصليب الأحمر لأول مرة للكاتب رائد جرجس

 

بعد جولات القصف، كانت تسود فترات وقف إطلاق نار قصيرة خلال حرب التحرير فتتم المسارعة إلى سحب جرحى أو انتقال أشخاص بين المناطق وغيرها من الأمور الحياتية. في إحدى تلك الفترات، تلقّت غرفة العمليات في الصليب الأحمر اتصالًا يفيد بأن هناك رجلًا ضائعًا في بيروت يتم البحث عنه. ويقول جو تابت عن هذه المهمة الصعبة: “كان الرجل ضائعًا منذ أسبوع أو عشرة أيام تقريبًا. وأبلغنا ابنه أن أباه يعاني من نشاف ويفقد التركيز ولديه محل تجاري في باب إدريس. قمنا باتصالات في بيروت، ومن خلال غرفة العمليات، تلقينا معلومة بأن ثمة جثة على خطوط التماس مجهولة الهوية. اتصلنا كذلك بمركز سبيرز طالبين التأكد بطريقة ما إذا كانت هناك جثة في المكان المحدد. جاء الجواب بالتأكيد الإيجابي. بعد اتصالات كثيفة لتأمين الدخول إلى المنطقة الفاصلة قالوا لنا إنه لا يمكننا الدخول من الجهة الشرقية لبيروت لأنه يوجد عدد كبير من الألغام، وليسوا متأكدين من مكانها، وإن الدخول من الجهة الغربية لبيروت أسهل لوجود عدد أقل من الألغام ولأن الجثة عالقة على شريط حديدي من الجهة نفسها. قررنا النزول لسحب الرجل الميت واتصلنا بالجيش اللبناني، فأرسلوا معنا عناصر من فوج الهندسة. توجّهنا إلى الموقع ضمن خط التماس من جهة بيت الوسط حاليًا. قبل وصولنا، كنا قد حصلنا على تأكيد وقف النار من الطرفين. اتفقنا أن يتقدّمنا عنصر من الجيش اللبناني وأن أتبعه حاملًا علم الصليب الأحمر وخلفي زميلان مسعفان يحملان الـ brancard  (المحمل). أول ما قاله لنا عنصر الجيش إن ليست لديه خارطة الألغام المزروعة، لذا سيتقدم أولًا ويزرع حربته في الأرض الـ bayonnette(1) ليتأكّد من عدم وجود ألغام، وعلينا أن نمشي تبعًا لدعساته نحو الأمام، والعودة عند الانتهاء بطريقة المشي إلى الخلف. رسمنا شارة الصليب، وكان معنا زملاء من مركز سبيرز، فضحكنا مازحين أنه من الممكن أن تكون المرة الأخيرة قبل أن يلملمونا أشلاء… تقدّمنا ببطء شديد بحيث استغرقت مسافة 100 متر تقريبًا حوالي الساعة ونصف الساعة لاجتيازها. كان الجو حارًا، ولم يكن باستطاعتنا التحرّك يمينًا أو يسارًا، حتى حين نضطر إلى الوقوف مصبّرين لدقائق بانتظار الكشف أمامنا. كان مصيرنا معلّقًا على عمل العنصر أمامنا. بدأتُ أتخيّل ماذا لو أخطأ؟ وفي ظروف مماثلة كنت أقول في نفسي: إنسانيًا، يجب ألّا أموت. وصلنا إلى الرجل وتبيّن أنه كان ميتًا منذ عدة أيام. قال لنا عنصر الجيش: سوف أحاول أن أكشف وأنظّف الألغام في دائرة صغيرة حولكم كي تتمكّنوا من العمل ولكن عليكم الآتي: سحب الجثة من دون اهتزاز الشريط الشائك، لأنه يمكن أن يكون مربوطًا بألغام أخرى ما قد يؤدي إلى انفجارها. بدأنا بقص ثياب الرجل ونزعها عن الجثة، لكي لا تعلق بالشريط الشائك عند سحبها وتتسبب بهزّه. أمسك مسعفان بالجثة لتثبيتها وقام مسعف ثالث بقص الثياب. كان الأمر شاقًا والرائحة كريهة جدًا والوضع دقيقًا. بعد الإنتهاء من قصّ الثياب، حملنا الجثة بتأنٍ وحاولنا الدوران ببطء كي نرى أين نضع أرجلنا. لم يكن تنفيذ الدوران سهلًا، فقلتُ لزملائي فلنمرّر الجثة بين أرجلنا (وضعية الجسر) ولنضعها على المحمل الذي كان وراءنا. هكذا فعلنا، وبعدها تقدّمنا عنصر الجيش بحذر بعد أن اجتاز مسافة إلى جانب المحمل واستدرنا بأرضنا لننطلق عائدين كما أتينا. وطلبنا من عنصر الجيش التأكّد من عدم وجود ألغام في طريق العودة لنضمن قدر المستطاع أنه لم يفُته أي لغم عند دخولنا فينفجر بنا ونحن خارجين. أتممنا المهمة، وكان بالفعل الرجل الذي أضاعه أبناؤه منذ أيام. حيث كان في طريقه لتفقّد محلّه في الأسواق ونسي نفسه بسبب حالته، وكانت الجثة مصابة بعدة طلقات نارية” (2).  شارك في هذه المهمة نبيل معتوق وهو يتذكّر الحالة التي كانت فيها الجثة والوضع الحرج للمهمة. يقول معتوق: “كان الرجل يرتدي كنزة ملوّنة والجثة يأكلها الدود ومهترئة” (3).

 

العناية الإلهية تنقذ المسعفين

لم تسلم المستشفيات من القصف وقد أصيب العديد منها خلال هذه الحرب. ومع تواجد المسعفين بشكل يومي في معظم المستشفيات لنقل المرضى أو المصابين، كانوا أيضًا معرّضين لخطر الإصابة أو أكثر، كما روى مسعفون في حالات عديدة. حادثة أخرى تُضاف إلى هذه الحالات يرويها غالب سليم مستذكرًا: “كنا في موقع مستشفى البربير الذي يبعد عن خطوط التماس بضع مئات من اﻷمتار. كانت بناية العجة حيث حاجز المخابرات السورية من جهة، والجيش اللبناني من الجهة الثانية. كنا في غرفة الطوارئ وليس في السيارة، وبتنا نعرف من المصابين المتوافدين إلى المستشفى المواقع التي تتعرض للقصف وأي منطقة توجد فيها إصابات. لم تكن الاتصالات الهاتفية دائمًا فعّالة فكانت هذه الطريقة عملية. كنا نسأل المصابين من أين أتوا وهل هناك إصابات أخرى، إلخ. طُلب منا إخلاء جريح، فخرج أولًا زميلي لكي يركن السيارة أمام باب الطوارئ وعندما صعدت ﻷجلس على الكرسي المتحرّك خلف السائق، رأيت شظية اخترقت زجاج السيارة وكذلك الكرسي المتحرّك حيث سأجلس. كنا محظوظين يومها ﻷن اﻹصابة كان من الممكن أن تودي بحياة أحدنا لو كنا داخل السيارة قبل دقائق أو ثوانٍ. الله ستر”. (4)

في حادثة أخرى مماثلة كان سامي بيتموني وبسام ديب mishka في مرآب مستشفى الجامعة الأميركية أمام مدخل الطوارئ وبدأ القصف ينهمر بالقرب منهما. يقول بيتموني: “كنت واقفًا بالقرب من باب السيارة من جهة السائق أتكلّم مع ديب الذي أحنى رأسه واتكأ على تابلو السيارة بسبب ألم أحس به. رفع ديب رأسه ليتكلم معي وفي هذه الأثناء سقطت قذيفة قريبة جدًا دفعني عصفها نحو السيارة واخترقت شظية كبيرة الزجاج في المكان نفسه حيث كان يتكئ ديب. جلست أرضًا ورأيت عدة شظايا صغيرة اخترقت درعي الواقي” (5).

يروي جان بيار جعجع أيضًا عن فظائع القصف العشوائي، عندما سقطت صواريخ راجمة في محيط مركز جونيه وأصاب أحدها حديقة منزل بالقرب من الملعب البلدي. يقول جعجع: “وصلنا إلى البيت المصاب ودخلت الحديقة. رأيت جثة رجل مقطّعة إلى أشلاء. أصاب الصاروخ الحديقة حيث كان الرجل. أذكر كيف التقطت أجزاء من أمعائه العالقة والمتدلية من على شجرة في حديقته. هذه عيّنة من فظاعة المشاهد التي تراها في الحرب (6).  شاركَت في هذه المهمة أيضًا سارة جاين عريضة وهي تتذكّر تفاصيلها وفظاعة المشهد” (7).

 

استشهاد النائب لويس أبو شرف

من ساحل كسروان إلى ساحل المتن وبيروت، لفّ الموت مختلف المناطق وطال الآلاف من اللبنانيين في الملاجئ وعلى الطرقات وفي أماكن عملهم وحتى داخل منازلهم. فكما الرجل الذي قُتل في حديقة منزله في جونيه، قُتل كذلك النائب لويس أبو شرف في منزله أثناء القصف على الأشرفية في 15 نيسان 1989.

يخبر طوني جوجو أنه كان وغي عتيّق tablo على وشك مغادرة المبنى الذي يضم مركز الأشرفية وغرفة العمليات المركزية عندما “رأينا شباب الـ102 (الأشرفية) راكضين، وفي هذه الأثناء، سمعنا صوت انفجار قذيفة. لم نكن نعرف أين القصف ولا إلى أين يتوجهون. قلنا لهم: خدونا معكم. تابعوا هم نحو سيارة الإسعاف، وسمعنا صوت إنفجار قذيفة ثانية، فقررنا اللحاق بهم. أخذنا سيارة البيجو التي تحمل الرقم 14. عند وصولنا إلى مكان سقوط القذيفة رأينا في مدخل بناية إمرأة وابنها من جنسية أفريقية مصابين. وفي ما كنا نساعد في إسعاف المصابَين في مدخل البناية، سمعنا صراخًا من أعلى المبنى: دخيلكون بيي منصاب… يبدو أن أحدهم قد أصيب بقذيفة أخرى سقطت على مبنى مجاور، وهو على شرفته في طابق عالٍ من بناية، بجانب المبنى حيث المرأة وابنها. صعدنا إلى الشقة، وكانوا قد سحبوا الرجل إلى الداخل. تحسّست النبض، لكن ما من نبض. بدأت مع غي عملية إنعاش القلب. لم نكن نعرف بعد أين الإصابة، لكن عندما بدأنا بالضغط على القفص الصدري خرج الدم من رقبته. كان مصابًا بشظية صغيرة في الرقبة اخترقت الشريان الأساسي. وضع غي إصبعه على الجرح لمحاولة تفعيل عملية الإنعاش، ولكن لم ينفع ذلك، استمرينا حوالي الثلاث أو الأربع دقائق ثم توقفنا. عرفنا بعدها أنه النائب لويس أبو شرف وكان قد فارق الحياة. في البيت كان يوجد زوجته وأولاده. من هنا كان الموقف صعبًا جدًا كي نشرح للعائلة عدم جدوى عملية الإنعاش وأن الوالد توفي. التقيتُ عند مدخل المبنى بجوزيف دهّان pépé وطلبت منه إحضار بطانية لتغطية الضحية في الشقة العلوية. وأثناء حديثي معه سقط لوح زجاج أمامنا من الطوابق العليا بسبب تضرر المبنى. سحبنا جثة النائب أبو شرف وغادرت سيارة مركز الأشرفية. بعدها مباشرة طلبتُ من العمليات عدم إرسال سيارات إضافية لأن المنطقة مستهدفة، وقلت لهم إنني سأعلمهم في حال حدوث أي تطور لأنني سأبقى في الموقع. كنت لا أزال واقفًا على الطريق أتكلّم مع العمليات عبر جهاز اللاسلكي في السيارة حين سقطت قذيفة أصابت المبنى الذي بقربنا. ركضت بلا وعي وارتميت في مدخل المبنى الذي كان يجلس فيه المصابان. رأيت الدماء على بزّتي فاعتقدتُ للوهلة الأولى أنني أُصبت، لكن سرعان ما اكتشفتُ أنني ارتميت على الأرض حيث كانت دماء المصابَين اللذين أسعفناهما في البداية”(8).

يؤكّد نبيل معتوق مشاركته في هذه المهمة مع جوزيف دهان، وكانا في السيارة التي وصلت بعد محاولة إسعاف أبو شرف، فقاما بنقل جثته إلى المستشفى: “لم نكن نعرف هوية المصاب حينها، قيل لنا إن قذائف سقطت في حي السراسقة. فتوجّهنا إلى هناك وكان القصف شديدًا. أكلنا لبد كتير” (9).

 

الأب وابنه

تكثّف القصف على بيروت ومحيطها في بداية صيف 1989، وانهمرت القذائف مجددًا على أحياء العاصمة من الجهتين. يروي متري حداد من مركز سبيرز عيّنة من الحالات التي واجهها المسعفون في أحد أيام القصف المتبادل، ويقول: “توجهنا ﻹسعاف مصابَين من عائلة واحدة. اﻷول تعرّض لإصابة بليغة في رجله، في ما أُصيب أبوه إصابة خطيرة في خاصرته بحيث يمكنك رؤية بعض أعضائه الحيوية. بسبب عدم توفّر سيارتَي إسعاف في الوقت نفسه، وبسبب الحالة الطارئة، اضطُر الإبن إلى القفز على رجل واحدة والجلوس على الكرسي المتحرّك داخل سيارة الإسعاف. كان الوضع صعبًا والمشهد قاسيًا كما معظم الحالات التي رأيناها عند نقلنا المصابين إلى مستشفى الجامعة اﻷميركية. لحسن الحظ أن المصابَين كانا بحالة أفضل عندما رأيناهما في اليوم التالي في المستشفى”(10).

في المدن كما في معظم المناطق، كم من المرات هبّ المسعفون أثناء حالات الطوارئ لنجدة ناس يعرفونهم، وهذا احتمال وارد بنسبة عالية نظرًا إلى أماكن خدمة المسعفين الذين يتطوّعون في العادة ضمن مناطقهم حيث ترعرعوا ودرسوا وعملوا. يعرف المسعفون جيدًا محيطهم بناسه وبمؤسساته وبشوارعه وبأبنيته. يكون الشعور مخيفًا عندما يخرج المسعف ويرى الفظائع التي طالت حيّه أو محيطه أو ناسه بسبب الحرب. هناك الكثير من التجارب والذكريات في هذا المجال، نستذكر واحدة منها عندما انطلق غسان قرداحي مع ماريو مبارك b.a وجان بيار جعجع بعد قصف عنيف لإسعاف مصابين في منطقة صربا. يتذكّر قرداحي الواقعة ويقول: “انطلقنا في سيارة الإسعاف رقم 272، وكانت تأتينا الإحداثيات تباعًا ونحن في الطريق. لم يكن الشباب يعتمدون على المعالم المعروفة خوفًا من أن نُستهدف في حال كان أحد يتنصّت علينا، فكانوا يقولون مثلًا: تابعوا حتى مفرق منزل فلان من المسعفين ومبنيين إلى اليسار، إلخ.

بدأت الإحداثيات تشير بالتوجّه إلى منطقة صربا، وبعدها إلى الحي الذي أقطنه، وبدأ الرفاق يوجهوننا، ثم إلى المباني المحاذية لمنزلنا إلى أن حدّدوا المكان، وهو المنزل المواجه لمنزل أهلي. عند وصولنا تنفّست ارتياحًا وقلت: خيّ مش بالبيت عنا. وسرعان ما رأيت الناس يشيرون إلى بيتنا. كان بيتنا مكتظًا مع وجود عائلتي وعائلة خالتي التي أتت من الجميزة هربًا من القصف. كان الموقف صعبًا جدًا بالنسبة إليّ. سبقني جعجع بالنزول من السيارة وكان مبارك يحاول الاستدارة ليصبح جاهزًا للانطلاق مباشرة بعد إسعاف المصابين. بدأت أصرخ بماريو وأطلب منه أن يتوقّف لكي أتمكّن من النزول لأنني كنت في المقصورة الخلفية. رأيت آثار القذيفة على شرفة منزلنا والأحجار المتطايرة المنتشرة في المكان والتي أصابت عاملًا من التابعية الهندية أسفل المنزل. لم يصب أحد من عائلتي بالقذيفة ولكن الاختبار الصعب أثّر كثيرًا بي وجعلني أتوقّف عن تنفيذ المهمات لحوالى يومين، قبل أن أعاود نشاطي بعد فترة من الراحة النفسية والجسدية” (11).

 

إصابة غرفة العمليات

كانت العمليات المركزية في التباريس عبارة عن غرفة صغيرة تقارب مساحتها العشرين مترًا مربعًا وتحتوي على الأجهزة اللاسلكية وهواتف الخط الثابت. يداوم في غرفة العمليات شخص أو إثنان لتأمين الاتصال بكافة المراكز والتنسيق بين مختلف الأفرقاء على مدار الساعة. لهذا السبب كان المناوب ينام في الغرفة للاستراحة عندما يسمح الظرف، ويبقى لأيام إذا تعذّر تأمين البدل أو الانتقال بين المناطق. في إحدى ليالي القصف العنيف كان ميشال منصور يداوم في العمليات وسقطت القذائف في حي التباريس وأصابت إحداها المبنى المقابل لغرفة العمليات الذي يبعد أمتارًا قليلة. دخل عصف الانفجار من الشباك الوحيد في الغرفة، ويتذكّر منصور تلك اللحظة فيقول: “رأيت الأجهزة مضاءة أمامي في حين كان الغبار يملؤها بحيث لا يمكنك رؤية شيء. فقدت السمع لفترة، وكانت أذناي تضجّان بصوت مزعج. نظرت حولي ولم أستوعب ماذا يحصل وبدأت أفكر هل ما زلت حيًا أو انتقلت إلى مكان آخر؟ بعد حوالى عشر ثوان رأيت الضوء يدخل الغرفة لأن أحدهم فتح الباب وبدأ يناديني: دراكولا، دراكولا (12).  كنت أسمع الصوت بعيدًا وكأن أحدهم يناديني من مسافة كيلومتر. بدأت أستعيد سمعي الطبيعي تدريجيًا وكان أحدهم اطمأن إلى أنني لم أصب” (13).

 

خرج الأب ليأتي بالحليب ولم يعُد

اختبر المسعفون حالات كثيرة مؤثّرة أثناء الحرب والأكثر قسوة تكون دائمًا متّصلة بالإصابات التي يتعرض لها أطفال أو أمهات أو بالمآسي التي تطال العائلات. عندما يستعيد ناجي جلخ متأثّرًا مهمة خلال حرب التحرير تتعلّق بضحايا القصف، يرويها وكأنها حصلت البارحة. ويروي: “كنا في المركز وسمعنا القصف قريبًا منا. سقطت قذيفة تحت المركز فانتظرنا إلى حين خفّت وتيرة القصف وانطلقنا. كنت مع بيار أبي كرم chamois ومسعف آخر. وصلنا إلى الموقع حيث انفجرت القذيفة ورأينا سيارة هوندا سيفيك حمراء وقد اصطدمت بشجرة وفي داخلها رجل. سحبنا الرجل الذي أصيب بشظايا في ظهره، وكان لا يزال على قيد الحياة. بدأ الشباب بإنعاش القلب CPR وأنا أقود سيارة الإسعاف متّجهًا إلى مستشفى سرحال. بعد وصولنا إلى المستشفى تابعنا عملية الإنعاش لكن من دون جدوى. توفي الرجل متأثّرًا بجراحه. لم يكن لدينا أية معلومات عنه فعدنا إلى السيارة للبحث في الأوراق والتعرُّف الى إسمه على الأقل. رأينا في السيارة علب حليب وحفاضات للأطفال. كانت هناك صيدلية sila في الشارع نفسه وهي تبعد مئة متر عن موقع السيارة، ويبدو أن الرجل ذهب لشراء هذه الحاجيات الضرورية لطفله أو طفلته وقُتل بهذه القذيفة. ما زلت أتأثّر حتى اليوم عندما أتذكّر هذه الحادثة. تخيّل أنك نقلت رجلًا ثلاثينيًا لن يعود إلى عائلته”. ويتابع جلخ بصوت مرتجف تأثرًا: “بعد الانتهاء من المهمة، عدت إلى المركز وانهرت بكاءً لفترة طويلة، ولم يستطع أحد مواساتي. بعد حوالي ستة أشهر، أتت زوجته لتتعرّف على المسعفين الذين رأوا زوجها للمرة الأخيرة. كانت لديها الجرأة لكي تتحدّث معنا لمعرفة ماذا حدث وكيف كان حاله عندما نقلناه مصابًا”(14).

 

طفل لم تُكتب له الحياة

من مأساة أب لن يعود إلى زوجته وطفله إلى مأساة طفل لن يفرح به أهله. يروي نزيه شمال  drakka (15) عن مهمة نقله طفلًا حديث الولادة لم يتعدَّ عمره الأيام. كانت المهمة تقتضي أن يتم إيصاله إلى مستشفى في بيروت بسبب عدم توفر التجهيزات اللازمة في مستشفيات البقاع. وجرت العادة في المهمات البعيدة أن يُصار الى تبديل بين سيارات الإسعاف حتى لا تخلو المنطقة المعنية من السيارات في حالات الطوارئ (بسبب بعدها عن مركزها الأساسي). فيأخذ البدل مركزًا قريبًا من المنطقة حيث المستشفى أو سيارة كانت في مهمة قريبة من منطقة التبديل لفعالية أفضل وسرعة في التنفيذ. كان الطفل يعاني من مشاكل صحية وموضوعًا في couveuse ترافقه أمه في سيارة الإسعاف. توقّف قلب الطفل فجأة وبدأ نزيه مع رفاقه عملية إنعاش القلب CPR .  عملية دقيقة جدًا لطفل صغير لا تحتمل رئتاه ضغطًا قويًا للهواء الاصطناعي أو ضغطًا مبالغًا على الصدر/القلب. فنُفّذت عملية الإنعاش بتأنٍ كبير ولوقت طويل. لكن لم يُكتب للطفل يوم آخر. توفي الطفل أمام عيني أمه. حالة مؤثرة جدًا طبعت الجميع في تلك اللحظات القاسية (16).

 

هوامش:

1- خنجر يوضع على مقدمة البندقية ومتعدد الإستخدامات أيضًا، منها التنقيب اليدوي عن الألغام.

2- جو تابت، المصدر نفسه.

3- نبيل معتوق، المصدر نفسه.

4- غالب سليم، المصدر نفسه.

5- سليم بيتموني، المصدر نفسه.

6- جان بيار جعجع، المصدر نفسه.

7- سارة جاين عريضة، المصدر نفسه.

8- طوني جوجو، المصدر نفسه.

9- نبيل معتوق، المصدر نفسه.

10- متري حداد، المصدر نفسه.

11- غسان قرداحي، المصدر نفسه.

12- لقب ميشال منصور.

13- ميشال منصور، المصدر نفسه.

14- ناجي جلخ، المصدر نفسه.

15- تطوّع في فرق الإسعاف في الصليب الأحمر اللبناني فرع جونية من سنة 1987 حتى سنة 1990. يعمل حاليًا مديرًا عامًا لشركة سيارات في مونتريال ـ كندا.

16- نزيه شمالي في مقابلة مع الكاتب في تاريخ 31 آب 2023.

تصويب:

ورد في هوامش موضوع من كتاب “أبيض أحمر” للكاتب رائد جرجس إسمَي سارة جابن عريضة وجان بيار جميل، والصحيح: سارة جاين عريضة وجان بيار جعجع. فاقتضى التصويب.

 

كتبت “المسيرة” ـ العدد 1759​

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل