
في كل مرة تتواجه البلاد مع استحقاق الرئاسة، تختلط الأمور في حيثية هذا الموقع، وينبري مفوهون يستشيطون تنظيرا، وكأنهم ملافنة في علم القانون، يفرضون مواصفات لا تتطابق إلا ومصالحهم وأهواءهم، وأهدافهم التي، غالبا، تكون مشبوهة. إن مقاربة موضوع رئاسة الجمهورية ليست، بشكل من الأشكال، تقسيطا سياسيا، وضجيجا من البعض، هو أقرب الى الثرثرة السيالة، منه الى الطرح الموضوعي المنضبط، ما يفرض، حتما، ترميم العلاقة بين هذا البعض المتحدث والمنطق.
إذا استمعنا الى مطالعات الكثيرين ممن يدعون الفقه القانوني، نترحم على ” دالوز” سيد التشريع، الذي شوهه هؤلاء، وأقصوه عن سدته، واستولوا على حيز شؤونه، بشكل موتور، أرعن، ما شكل لنا، بهم، نكبة غير مسبوقة، وكأن البلد لا يكفيه ما يرهقه من نكبات وويلات كان الثرثارون، أنفسهم، أصلا في أسبابها.
إن الإشكالية التي تطرح نفسها، تنقسم الى سؤالين: هل هنالك جمهورية لتنصيب رئيس لها ؟ ومن يفترض به أن يتبوأ هذا المقام، في الظرف الحالي؟
الكل يعرف أن لبنان ينعم، ولو في الشكل، بنظام ديمقراطي يفرض آلية موجبة هي الانتخابات، أي أن القاعدة الشعبية العريضة تمنح ثقتها لمن يمثلونها في السلطة، والذين يحملون تفويضا لسن القوانين، ولانتخاب رئيس للجمهورية كل ست من السنوات. وكثيرا ما كانت المهلة تطول، ولا رئيس، بحكم تعطيل من هنا، وتوتير من هناك، ووصاية من هنالك، وذلك للإتيان بصنم مدجن، يسبى باسمه، وعبره، الوطن بكل مقوماته.
والكل يعرف أن الدولة، عندنا، متهالكة، مترهلة، وتمر بلحظة فارقة في تاريخ لبنان، تتقاطع مع تشابكية السياق الإقليمي بكل تعقيداته، ومستجداته، ما يهز صورة السلطة، ويدفع بأصحاب المشروع المستورد الى استكمال اجتياحهم لمفاصل الحكم، وتحكمهم بقرار منع قيام الدولة، وضرب الكيان والهوية. من هنا، بات واضحا، ومعلنا، أن الممسكين بسلاح خارج الشرعية، يرفضون تسليمه للجيش الوطني، بالرغم من توقيعهم على بنود اتفاق وقف إطلاق النار، واستنادا الى القرار الأممي 1701، ومندرجاته. لذا، أسأل الذين يتكلمون عن الجمهورية، فليتفضلوا ويشيروا إليها، وبالتأكيد، خارج إطار السردية النمطية المكررة. فالجمهورية التي نريد، ومن حقنا ما نريد، هي الدولة القادرة، السيدة، الباسطة سلطانها على كامل مساحة الوطن، بقواها الشرعية، من دون أن يشاركها في السلطة مستقو غريب عن مفهومي الانتماء والولاء. وهي الدولة الملتزمة بمنهجية ميشال شيحا، التي تؤطر الفكرة اللبنانية ضمن ظواهر السياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والعدل، وصيانة الحقوق والحريات، وطلة الوطن على الخارج…
والكل يعرف، أيضا، أن الشعب ضجر من الأصنام المسماة ” رئيس الجمهورية “، والتي تغفل عن أن حضور لبنان ثابت في التاريخ، وأن شخصيته ملتصقة بحتمية الوجود، وكأن لا وجود من دونه. واستنادا، فعلى الرئيس العتيد أن يعي أنه حارس الدستور، يتولى الحرص على استقلال الوطن، وسيادة الشعب، وسلامة الدولة، ورعاية الحرية التي هي درع الديمقراطية، وأن له الكلمة الوازنة في الدولة، خصوصا في القرارات المصيرية التي تحكم مستقبل البلاد. وعلى الرئيس، كونه الرمز الوطني، أن يؤكد، وليس بالشكل الفولكلوري الذي اعتدناه مع كثيرين، على أنه ضامن للجمهورية، ووكيل للناس، ويعيد كلمة ” مسؤولية ” الى معجم الدولة، وعليه، من موقعه الدستوري، أن يأخذ قلق المواطنين على محمل الجد، خصوصا في استرجاع الأمن المنهوب، وكرامة الوطن التي انتدبها قطاع الطرق في محميات غير شرعية، وأن يكون جريئا بحيث تحدث جرأته صدمة نوعية في مواجهة المتسلطين في الماضي العفن، ليتبدد حلمهم بأن زمنهم المنقرض سوف يبعث حيا.
إن مطالبتنا برئيس جريء، قادر، مواجه، وطني، ليست في غير زمانها، وهذه المطالبة حق وليست استجداء، من هنا، على الرئيس العتيد أن يقلب الموازين، ويمتن فعل الكرامة مرتكزا لمنظومة الوطن، لنلمح، معه، وجه الاستقلال الجديد.