
شرارة المقاومة اللبنانية الشرسة ضد جيش الأسد التي بدأت في قرية بلاّ الشمالية سنة 1977، ولاحقاً في الأشرفية 1978، وزحلة 1981، وأدّت إلى زعزعة صورة حافظ الأسد لبنانياً وسورياً وإقليمياً ودولياً، سرعان ما انتقلت إلى حماه وحمص في سوريا اعتباراً من عام 1980 وخصوصاً 1982، حيث شهدت المدينتان المذكورتان ثورةً شعبية عارمة مستفيدةً من تورّط جيش الأسد في الوحول اللبنانية وتعرضّه للاستنزاف العسكري والسياسي والمعنوي، والأهّم من ذلك كلّه، تمكّن القوات اللبنانية من إسقاط حجر الزاوية الذي كان الأسد يحكم سوريا على أساسه وهو شعار “حماية الأقليات”، بعدما تمكّنت القوات اللبنانية من أن تنقل للعالم أجمع عبر وسائل الإعلام العربية والأجنبية حقيقة ما كان يرتكبه هذا الجيش من مجازر وقتل وإرهاب بحق المسيحيين في لبنان.
حتى أن القوات اللبنانية كانت مُتهّمة من قبل النظام الأسدي منذ ذلك الوقت، بدعم المعارضة السورية في حماه وحمص للثورة ضد هذا النظام، بحيث خرجت تصريحات عديدة لأركان النظام الأسدي يقولون فيها بأن “القوات اللبنانية وبشير الجميّل كانا يدعمان الإخوان المسلمين بالسلاح للقيام بأعمال إرهابية في سوريا”، وهو كان واحداً من الأسباب غير المُعلنة ربما، التي حدت بحافظ الأسد لأن يضمر هذا الحقد الكبير تجاه القوات اللبنانية، عاملاً على اغتيال قائدها بشير الجميّل سنة 1982، وتركيب الملفات لقائدها سمير جعجع عام 1994 واعتقاله.
فبحسب الكاتب الشهير باتريك سيل الذي كتب قصة حياة حافظ الأسد، فإن الأسد لم يكن يغفر أبداً لأي “إساءة” تُوجّه إليه ويسعى للانتقام لها بأبشع الطرق الممكنة، ولو بعد حين، خصوصاً إذا كانت تلك “الإساءة” تمسّ بهيبته وقدرات نظامه، فيما القوات اللبنانية، وخصوصاً مع قائدها بشير الجميّل، كانت تمسّ بتلك الهيبة العسكرية والمعنوية على مدار الساعة في لبنان، ويسعى بشير للتهكّم على جيش الأسد والاستخفاف به بمناسبة ومن دون مناسبة، جالباً الهزائم العسكرية والمعنوية والإعلامية له، وهذا ما فعله سمير جعجع لاحقاً عندما تجرأ على إسقاط الاتفاق الثلاثي الذي كان يرعاه حافظ الأسد شخصياً، ممّا شكل بدوره مسّاً كبيراً بصورة حافظ الأسد وسمعته لبنانياً وسورياً وعربياً ودولياً.
ولو قُدِّر لقائد القوات اللبنانية الرئيس المنتخب بشير الجميّل العيش والحُكم وقتها، لكان تمكّن من إسقاط نظام الأسد انطلاقاً من قصر بعبدا سنة 1982-1983، بمجرد أن يدفع بجيش الأسد مهزوماً خارج لبنان في ظل المعادلات اللبنانية والعربية والإقليمية والدولية التي كان الرئيس المنتخب يتحرك رئاسياً ضمنها، لذلك “عاجله” حافظ الأسد بالاغتيال، كونها كانت مسألة حياةٍ أو موت بالنسبة له.
طرأ على هذا المسار التحريري التغييري الذي بدأ من لبنان باتجاه سوريا، تحوّل دراماتيكي عكسي بمجرد أن وصل ميشال عون إلى السلطة، بحيث أدّت سياساته الشخصانية إلى إضعاف المقاومة اللبنانية السيادية، وتالياً إلى إعادة تقوية الأسد في لبنان وصولاً إلى سوريا، قبل أن ينتفض اللبنانيون على الأسد الإبن في 14 آذار 2005 من جديد، فخرج بجيشه من لبنان، وبدأ العد العكسي وقتها لسقوطه في سوريا انطلاقاً من ربيع بيروت، بحيث كان الشهيد سمير قصير أول من استشرف هذا الأمر في كتابه بعنوان “ربيع دمشق” الذي كلفّه حياته، للأسباب ذاتها التي اغتيل فيها بشير الجميّل واعتُقل فيها سمير جعجع.
لذلك عندما يسأل بعض عملاء الأسد الصغار عمّا فعلته القوات اللبنانية لإسقاط نظام الأسد، حتى تحتفل بذلك وتكون مسرورة بسقوطه لهذه الدرجة، فالجواب موجود في تاريخ المقاومة اللبنانية، وتزامن مقاومتها لنظام الأسد مع انتعاش الشعب السوري في حماه وحمص ومحاولته الثورة على هذا النظام منذ سنة 1980، ولاحقاً بعد ثورة اللبنانيين في 14 آذار 2005. يكمن الجواب أيضاً في دراسة فلسفة الأنظمة الديكتاتورية والشمولية التي تقوم على مبدأ التوسّع، وتبدأ بالانهيار والسقوط بمجرّد أن تتراجع عن توسّعها بفعل عامل المقاومة الحقّة، تماماً كما كانت عليه المقاومة اللبنانية عسكرياً خلال الحرب والمقاومة اللبنانية سلمياً بعد عام 1990.
وللدلالة على دور المقاومة اللبنانية الكبير في زعزعة أولى ركائز النظام الأسدي انطلاقاً من الأشرفية وزحلة وبيروت وكل لبنان، هو دور “مقاومة حزب الممانعة” والتيار العوني العكسي في تثبيت دعائم هذا النظام طيلة أكثر من 13 سنة، انطلاقاً من سيطرتهما على لبنان، ثم تراجع النظام الأسدي وسقوطه، بمجرد أن خرج ميشال عون من السلطة هزيلاً، وتعرضّ الحزب لنكسة عسكرية كبرى أضعفت قدراته في لبنان بشكلٍ ساحق.
من هنا، فالقوات اللبنانية لا تحتفل فقط لمجرد أنها مراقب عن بُعد للمشهد، بل لأنها كانت مشاركة للشعب السوري بفعالية في إسقاط هذا النظام الذي كانت لها معه صولاتٍ وجولات عسكرية وسياسية كثيرة انطلاقاً من لبنان، خصوصاً أنه كان هنا على أرض لبنان وليس في الهونولولو مثلاً، ومن بلاّ والأشرفية بالذات بدأ تراجعه الأول، ومن زحلة بالذات كان الدرس العسكري الاستراتيجي الإقليمي والدولي الأخطر الذي تلقنّه، ومن ساحة الشهداء 2005 كانت بداية النهاية قد تكرّست نهائياً في سوريا، انطلاقاً من ربيع بيروت.