







“لو زالت هذه الأعمدة عن وجه الأرض لفقد الكون كثيراً من موسيقاه الصادحة فـي عالم الروعة والجمال”، بهذه الكلمات وصف الشاعر الفرنسيّ لامرتين هياكل بعلبك، حين زارها للمرة الأولى واقفاً خاشعاً مبهوراً أمام عظمتها. ونسأل بخوف عظيم، هل تتجرأ إسرائيل على دكّ تلك الأعمدة، ما تجرأت حتى اليوم، تدرك هي جيدا ما ينتظرها لو فعلت، هو غضب التاريخ وآلهته والكون بأسره سيلعنها على مدى الأزمان. لكنها تجرأت على ما هو الأقرب إليها، على فندق صغير، ولكم كان شأنه عظيمًا، هو الشاهد الحيّ لعقود وعقود على أمجاد مدينة الشمس وقلعتها ومهرجاناتها الدولية. هو فندق “بالميرا” التاريخي، بدل أن يحتفي اليوم بعيده الـ150، تراه يلملم جراحه مصابًا بشظايا حرب أفرغته من زواره، ومن هم، لا تسل، هي غرفه، وصالوناته وما تناثر على جدرانها من لوحات وصور، ستحكي وتحكي عن أيام مهرجانات ومجد وعز، عن نجوم كانت حكاياتهم من حكايات الأساطير اختاروا “بالميرا” مرتعًا ومقرًا لهم. وها هو اليوم يحيي عيده الـ150 فارغاً وحيداً، وهو بئس الزمن يعيده بقوة عنواناً عريضاً يتصدّر نشرات الأخبار والمواقع ومانشيتات الصحف، ليس شاهداً حاضناً لنجوم وفرح مهرجانات العز كما اعتدناه، إنما مدمّرًا مهشَّمًا، مستعرضًا ما كان عليه هو وبعلبك وقلعتها، وما آل إليه حالهما جرّاء حربٍ عبثية جائرة. هي حكاية 150 عامًا يرويها “بالميرا” بفخر عظيم… وغصَّة كبيرة.
لطالما كانت حكاية “بالميرا” من حكاية قلعة بعلبك وزوَّارها ومهرجاناتها، يتألق بتألقها، ويأفل بأفولها. كيف لا وهو الشاهد الحيّ على تاريخ تلك القلعة الذهبي، “هو ذاكرة بعلبك بحق” كما تصفه سيدة ذاك الفندق ريما الحسيني.
من مجرد فندق، الى شبه متحف، الى ذاكرة لبنان الجميل. تتوالى فصول حكاية ذاك الفندق منذ تربّعت بعلبك بين أهم المدن السياحية، جاذبة إليها مئات آلاف السياح من مختلف أنحاء العالم، كما علماء الآثار والمنقّبين عن تاريخ العالم القديم.
الكل كان يتهافت إلى مدينة الشمس متفاخرًا برؤية أعمدتها مستكشفاً معالمها التاريخية وآثارها الرومانية. ومع كثرة قاصديها، صار حتميًا بناء الفنادق، وكان ـول الغيث في العام 1872، عندما شيّد المهندس اليوناني ميمكاليس باركلي الفندق الأول مقابل المعبد عند مدخل بعلبك الجنوبي، على أرض تقارب مساحتها الـ200 متر مربع، وصمَّمه بلمسات تُحاكي الآثار والتراث في الشكل والمضمون والمعروضات، سواء في الباحة الخارجية أو من الداخل، مطلاً بواجهته الأساسية على الأطلال الرومانية، وبأسلوب معماري يُحاكي الأساليب المعمارية لبيوت البرجوازيات اللبنانية في تلك الحقبة، بحسب فريدريك راغيت، الباحث الإنكليزي، في العمارة اللبناني.
لماذا “بالميرا”؟
يُروى أن “الخواجة اليوناني” كما كان لقبه، أطلق على الفندق هذا الإسم نسبةً لتمثال نصفي لزنوبيا، ملكة مدينة تدمر أو “بالميرا” في الإغريقيّة، وكان باركلي قد أحضره من تدمر أثناء رحلته إليها، ونصبه عند مدخل الفندق، ولا يزال ذاك التمثال حاضراً في قاعته الرئيسية، وصمته المطبق يروي الكثير عن مجدٍ كبيرٍ عايشه لطالما كان مرادفاً لمجد تلك القلعة.
مرّ فندق بالميرا بعدة مراحل إعمارية، فمع مؤسِّسه اليوناني باركلي، كان البناء يتألف من طابق واحد. مات الرجل في الحرب العالمية الأولى، وطُرِحَ فندقه في المزاد، فآلت ملكيته إلى المؤرخ البعلبكي ميخائيل ألوف، لقاء ألف وأربعمئة عثملية ذهبية.
المالك الجديد، خبير الآثار اللبناني وإبن أسرة بعلبكية عريقة، ومؤلف كتاب تاريخ بعلبك الذي صار مرجعًا لكل باحث عن تاريخ المدينة الأثرية، وضع لمسات جديدة على البناء الذي بات يتألف من طبقتين، ويضمّ 27 غرفة، فضلاً عن مطعم وصالة كبرى ومدخل، ودائمًا على الطراز البورجوازي الرائج آنذاك. وقيل يومها إن حامي الآثار البعلبكي، حرص على تجهيز الفندق بأثاث كان أفخر وأفخم وأحدث ما فُرش فيه فندق لبناني في ذلك الوقت، بما يليق بقامات نزلائه، ليصبح الفندق وحديقته مقصدًا لزوار مدينة الشمس وآثارها.
توالى على فندق بالميرا ثلاثة أجيال من عائلة ألوف، حتى العام 1975، عندما اندلعت الحرب اللبنانية وتوقفت مهرجانات بعلبك الدولية، فهجره أصحابه، لكن أبوابه بقيت مفتوحة، ومع ذلك لم يستقبل أي زائر لمدة 10 أعوام.
عام 1985، كان التحوّل الكبير في تاريخ الفندق، حيث باع ورثة ميخائيل ألوف الفندق التاريخي لشركة بعلبك للإنماء السياحي لصاحبها علي الحسيني، نجل الرئيس الراحل حسين الحسيني.
المالك الجديد أضاف الى الفندق ملحقا يتألف من قاعة وحديقة وخمس غرف جديدة، محافظاً على الطابع الأثري وعلى معالم هذا المكان كما هو من دون خدش هويته، فغرفه الـ27 لا تزال مفروشة بالأثاث نفسه منذ افتتاحه، أما الملحق، الذي استُحدث فيه مؤخراً، فجرى تصميمه ليتماشى مع المبنى القديم، لكن مع لمسات تُحاكي الحداثة والرفاهية في الخدمات، وجرى إطلاق أسماء محددة على كل منها تكريماً للشخصيات التي أقامت فيه، وهنا حكاية أخرى من سحر حكايات “بالميرا” بطلتها سفيرتنا الى النجوم، ومن غيرها…
ملوك وأمراء ونجوم.. وسجل ذهبي
“بالميرا”، جار القلعة وأنيسها، لطالما كان شاهدًا حيًا على حقبات تاريخية وأحداث مصيرية غيَّرت جغرافية لبنان ونظامه السياسي وتوازناته، منذ الحقبة العثمانية، مرورًا بالحربين العالميتين الأولى والثانية، وفترة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال ومحطاتها، وأبرزها اتفاق الطائف وولادة الجمهورية اللبنانية الثانية.
فذلك المعلم التاريخي الذي يطلّ على آثار روما القديمة، عايش أكثر من قرن من التاريخ، ملوكاً وأمراء وفنانين، قادة، جنرالات حرب، رسامين، كُتّابًا ورحّالة، كلهم مَرُّوا من هنا، ولا مبالغة بالقول إن تاريخ بعلبك الحديث مرّ عبر بوابات وحجرات فندق “بالميرا”، وهو السجل الذهبي، أبرز معالم ذاك الفندق التاريخي، يوثّق لكل من مرّ به من رجالات كبار سجَّلوا على صفحاته انطباعاتهم ومشاعرهم، ليتحوّل الى مرجع تاريخي تُرجم إلى عدة لغات، عبر جزئين الأول من عام 1889 إلى 1907، والثاني من 1907 إلى أيامنا.
على صفحات هذا السجل، خطّ الجنرال غورو عام 1920 عبارته الشهيرة: “لقد قمنا بضم البقاع إلى لبنان، في إشارة إلى إعلانه دولة لبنان الكبير”.
وها هو الإمبراطور الألماني وليام الثاني عام 1889، الذي كان أول الزائرين لأول فندق عرفته مدينة الشمس، ومن مهّد في حينه الطريق لاستكشاف آثار بعلبك وتاريخها، والكشف عن خبايا معابدها من قبل بعثات أثرية متخصصة.
في هذا الفندق أقام أيضًا شاه إيران وأمير الكويت والجنرال الفرنسي شارل ديغول ومصطفى كمال أتاتورك، وذلك قبل أن يتحوَّل محطة أساسية لكثير من الأسماء الكبيرة ولفنانين أسطوريين وقفوا بين هياكل بعلبك أثناء مشاركتهم في مهرجاناتها الدولية.
نعم الفندق الجريح والمهجور اليوم، لطالما جرّ كبار النجوم والفنانين اللبنانيين والأجانب والعرب إلى غرفه وأروقته، من عاصي ومنصور وفيروز وصباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين، الى محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش، الى بيجار ونينا سيمون وفيتزجرلد وأرغون، كلهم أقاموا في غرفه وتناثروا بين صالوناته. هنا في حديقته، أمضت الممثلة الفرنسية فاني أردان ساعات طويلة تحت شجرة التوت، ولطالما سحرت أمسيات ذاك الفندق تحت سماء بعلبك المضاءة بالنجوم نينا سيمون المغرَمة بالطبيعة، لكن لذاك “البالميرا” مع فيروزتنا قصة أخرى..
لماذا فيروز؟
يروي القيّمون على الفندق، أن فيروز اعتادت على حجز الغرفة التي تحمل الرقم 26 لإقامتها خلال إحياء الليالي اللبنانية في مهرجانات بعلبك الدولية، لتميّزها بالإطلالة على معبدي باخوس وجوبيتير، لكن، وبعد ترميم الفندق وتحديثه طلبت الانتقال الى الغرفة الخضراء في المبنى الجديد التي تطل أيضًا على قلعة بعلبك، وفي العام 2006 مكثت هناك حوالى أسبوعين متتاليين، ليُطلق منذ ذاك الحين على هذه الغرفة إسم “غرفة فيروز”.
وكم كان لافتا تصدّر إسم فيروز محركات البحث والترند بعد استهداف الغارات الإسرائيلية موقف سيارات زوار قلعة بعلبك، ما ألحق أضرارًا كبيرة في “غرفة فيروز”.
ومما يُروى، أن الكثير من عشاق فيروز كانوا يأتون فقط للنوم على سريرها في تلك الغرفة، ويلتقطون الصور ويتباهون بالقول: “أقمنا في غرفة فيروز”.
وعن سنوات عزّ “بالميرا” الذي كان يسطع بريقه بشكل خاص أيام مهرجان بعلبك الدولي، يُروى أنه لشدة اكتظاظه بالنزلاء، كان الناس يطلبون من إدارة الفندق أن يستقبلهم ولو بأسرّة مكشوفة على السطح، وهذا ما كان يحدث بالفعل، وإن كان ثمة فنادق أخرى شهيرة في بعلبك، لكن “بالميرا” كان الخيار الأول والمفضّل.
وتقول ريما الحسيني “مجرّد ذكر إسم فندق “بالميرا” يأتي في البال ذكرى بعلبك وتاريخها العريق، والأشخاص الذين مروا على بعلبك”.
فإلى إطلالته وتراثه وحكاياته برائحة التاريخ وعزّ لبنان، اجتذب الفندق الزبائن أيضًا عبر مطعمه وأطباقه البعلبكية الشهيرة واللبنانية بامتياز، تحضِّرها يومياً ربات منازل في بعلبك.
من فندق الى متحف فني
هو القليل من كثير كثير لا تتسع لحكاياته مجلّدات عن ذاك الفندق العريق الذي يضم اليوم 40 غرفة وكان شاهدًا على أهم محطات الفن والفرح في بعلبك، وقد تحوّل مع مرور سنين العزّ الى متحف صغير تتوزع داخل قاعاته قِطع أثرية وتتزيّن جدرانه بلوحات فنية نادرة لأهم الفنانين التشكيليين، أجانب ولبنانيين، ومنهم عمر الأنسي، أمين الباشا وجان كوكتو الذي ترك العديد من أعماله بجانب ملصق إعلاني لمسرحيته التي قدمها في بعلبك عام 1966 إثر إقامته فيه لمدة طويلة في الستينات، وغيرهم كثر تركوا أعمالهم ولوحاتهم على جدرانه ما جعله معرضًا دائمًا للفنون التشكيلية.
والى ذلك، عملت زوجة صاحب الفندق علي الحسيني، السيدة ريما الحسيني على إضفاء سمة ثقافية وفنية على المكان، من خلال استضافة المعارض الفنية للتصوير والرسم والنحت، والعروض السينمائية، واللقاءات الحوارية، والأنشطة الشبابية والأدبية.
من “ملكوت الله”.. الحسين يهاجم “الشخص”
ولا بد من التوقف أمام ما أضفاه ركن سياسي كبير على ذاك الفندق من حراك سياسي، هو رجل الدولة وعرَّاب الطائف، الرئيس الراحل حسين الحسيني، الذي حوّل قاعات وأروقة وغرف أوتيل “بالميرا”، الى محور للقاءاته وجلساته وحواراته وإطلالاته الصحافية.
ويروي لنا إبن بعلبك الصحافي صبحي منذر الياغي، إنه في العام 1989، وإثر اغتيال رئيس الجمهورية اللبنانية رينيه معوض، قرّر الرئيس الحسيني بصفته رئيسًا لمجلس النواب آنذاك الدعوة الى جلسة انتخاب رئيس جديد للبنان في أوتيل “بالميرا” في بعلبك، وبدأت الاستعدادات لذلك داخل الفندق، وتوافد الصحافيون بكثافة الى المكان لمواكبة التحضيرات، لكن نظرًا الى صغر مساحة الفندق وعدم أهليته لوجستيًا لاستقبال حدث مماثل، أُلغي القرار، واعتُمد “بارك أوتيل شتورا” بديلاً منه.
في المقابل، كان “بالميرا” مركزًا أساسيًا للماكينة الانتخابية للرئيس الحسيني ومعظم نشاطاته السياسية في بعلبك، حتى إن الطابق الثاني في الفندق كان يُطلق عليه مناصرو الحسيني إسم “ملكوت الله”، لأنه كان مركز إطلالاته وخصوصًا مؤتمراته الصحافية التي كان يعقدها كل يوم أربعاء، ومنها لطالما كان يطلق أبرز مواقفه مهاجمًا سياسات الرئيس الراحل رفيق الحريري من دون أن يُسمّيه، مكتفيًا بالإشارة إليه باسم “الشخص”.
ويخبرنا الكاتب البعلبكي أن “بالميرا” ما كان الفندق الوحيد في بعلبك، كان هناك أيضا فندق “الخوام”، والذي يُعتبر أكثر حداثة ورفاهية، لكن لفندق “بالميرا” جاذبيته ونجوميته الخاصة التي اكتسبها بشكل خاص من موقعه الذي لا يُضاهى قرب قلعة بعلبك.
لكن، ودائما وفق صبحي منذر ياغي، منذ العام 1983 تغيّر الوضع، تدهور الأوضاع الأمنية، وبشكل خاص سيطرة “الحزب” على المنطقة وتواجده الفاضح داخل القلعة، “وصار مسؤول أمني في الحزب يتحكّم في المدينة وأولاد المدينة صاروا غرباء”، ما فرمل حركة مهرجانات بعلبك، وأدى الى تراجع مستوياتها الفنية بفعل إحجام نجوم عالميين ولبنانيين كبار عن إحياء حفلات في القلعة، ما أدى تلقائيا الى انحسار الحركة في فندق “بالميرا”، وتحوّل النزلاء الى فنادق أخرى في المنطقة، أبرزها “بارك اوتيل شتورا” و”القادري”.
فندق “بالميرا” التاريخي فارغ اليوم، رحل الزوار والسياح، والحياة شبه متوقفة في المدينة السياحية المصنّفة من اليونيسكو كـ”موقع عالمي للثرات” وقد هرب نصف سكانها خوفًا من القصف، لكن على رغم الحروب والأزمات المتتالية التي عصفت بالمنطقة، حرص القيّمون على الفندق، كما دائمًا، على عدم إغلاق أبوابه، وفي البال إعادة ترميمه ليعود ويبقى كما كان دائمًا وأبدًا، شاهداً على حقبات مجيدة من تاريخ لبنان العمراني والثقافي والسياحي والفنّي.
كتبت نجاح بومنصف في “المسيرة” ـ العدد 1759
فندق “بالميرا”.. اشهد يا تاريخ على صفحات العزّ!
غرفة فيروز: وين صواتن؟ وين وجوهن؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]