
انتصر الثوّار في سوريا وتسلّموا الحكم فيها بشكلٍ اولّي، ومع ذلك بقي دير صيدنايا بمن فيه وما فيه دون ان يمسّه سوء، وبقيت سيدة حاريصا وبقيت جونية، ولم نسمع بوصول تكفيريين الى كسروان لسبي النساء والرجال وتخريب الأديرة والكنائس وتهجير المسيحيين، بل الذي شاهدناه وشاهده كل العالم بأم العين هو إجرام نظام الاسد في سجن صيدنايا وسواه من المعتقلات، وانهيار هذا النظام وهروب عناصر الحزب من القصير الى لبنان، والسقوط الأكبر لكل الشائعات والأكاذيب والأقاويل التي ساقها هذا الحزب طيلة الفترة الماضية بخصوص دفاعه عن المسيحيين والكنائس والمقدسات، ومنعه “التكفيريين من الوصول الى جونيه.
قال لنا هذا الحزب إنه ذهب الى صيدنايا للدفاع عن اديرتها وكنائسها، واخذ عناصره الصور امام الكنائس بكل “البوزات” والوضعيات الممكنة، منصّباً نفسه في الظاهر مدافعاً عن المسيحيين لتحويلهم في الباطن الى اهل ذمّة له ولمشروعه المذهبي في الإقليم، محاولاً تسييل كل ذلك في الداخل اللبناني مزيداً من القبض على مقدرات الدولة، وتسخيراً لها خدمةً لسلاحه غير الشرعي الذي ادّى عملياً الى افلاس الدولة وافراغها، وتقويض استقرار لبنان، واغتيال وتهجير مئات الآف المسيحيين واللبنانيين، اكثر بكثير ممّا فعله كل “التكفيريين” مجتمعين على مدار تاريخهم الحديث.
فيا ليته لم يدافع عن كنيسة في صيدنايا مثلما اوهم بعض السُذّج او الوصوليين بذلك، ولم يساهم سلاحه بالمقابل في افلاس الدولة وتقويضها وتهجير اللبنانيين من وطنهم، مثلما حصل بالفعل طيلة 34 سنة من اتفاق الطائف.
ادعّى هذا الحزب انه يدافع عن دير صيدنايا بينما كان بالفعل يدافع عن سجن صيدنايا وعن رموز سجن صيدنايا الذي يقع على مرمى حجر من الدير، وحبذّا لو انه لم يعمل على تثبيت النظام الأسد ولم يدافع عن سجن صيدنايا، لكان دير صيدنايا بألف خير حينها، دون ان يضطر احد للدفاع عنه اصلاً.
فالأديرة والكنائس المسيحية، ودير صيدنايا من ضمنها، ليست مجرد احجار مرصوفة وابنية واجراس ومقاعد وايقونات، بل هي اولاً وقبل اي شيء آخر، روحية، وقيم، وانسانية، وتضحية، واخلاقيات، وهذه القيم والاخلاقيات والروحانيات المسيحية بعيدة كل البُعد عن رموز سجن صيدنايا الذين دافع الحزب عنهم وعن مصالحه الذاتية، بحجة دفاعه الظاهري عن دير صيدنايا.
الخبر ما ترون لا ما تسمعون، وما سمعناه من اكاذيب ودعايات طيلة 13 سنةً كان الحزب في خلالها يحاول تخويف المسيحيين من الطائفة السنّية ليقول لهم انا حاميكم، وانا ربّكم الأعلى، وانا ولي امركم، وانا المعتدل المحب المتسامح، فيما الطائفة السنّية هي “البعبع الداعشي”، ما سمعناه اذاً لا يمت بصلة الى كل ما رأيناه اخيراً من حرية واعتدال وانسانية وانفتاح اظهرها الشعب السوري الثائر، ما عدا بعض التجاوزات الفردية المحدودة التي حصلت في ظل الفوضى العارمة وعدم استقرار الأوضاع بعد، والتي لا يمكن مقارنتها بأي شكلٍ من الأشكال بتاريخٍ مرير من القهر والعذاب والاضطهاد والاغتيالات وتجارة المخدرات والاغتصابات التي طاولت كل شرائح الشعب السوري، بما في ذلك المسيحيين والعلويين والشيعة بالذات.
اتركوا مقدّساتنا وكنائسنا واديرتنا وشأنها، واهتمّوا انتم بالدفاع عن تعاليم الإمام علي الصحيحة التي تتناقض مع كل ما ارتكبه حليفكم نظام الاسد الذي دافعتم عنه هباءاً بخيرة شبابكم طيلة عقود بإسم شيعة علي، ولعلمكم فإن مملكة الدين المسيحي ليست من هذا العالم اصلاً.
اما المقدّس الحقيقي بالنسبة لنا فهو الحرية والانسانية والتسامح والمحبة والتضحية والقيم السامية وحقوق الانسان التي تشكل جوهر الدين المسيحي وجوهر كل دين سماوي، وليس الأحجار والباطون والأبنية…وخصوصاً ليس صديقكم وحليفكم القيّم على سجن صيدنايا، الذي سمّاه حليفه وحليفكم ميشال عون في نسخته القديمة، “نظام السجون والقبور”.
عندما يكون الاختيار بين زوال دير صيدنايا او بقاء سجن صيدنايا، فخيرٌ لنا ولدير صيدنايا الف مرّة ان يزول سجن صيدنايا ويزول معه نظام السجون والقبور لو مهما كان الثمن لذلك، فكيف بالحري اذا زال سجن صيدنايا وبقي دير صيدنايا ايضاً، وبقيت معه الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وستبقى كذلك التعددية، وحرية الرأي، والاعلام، والمعتقد، لو مهما حصل من تقلبات.
اقرأ ايضاً: خاص ـ الدور الإيراني انتهى.. لبنان في عصر جديد (أمين القصيفي)
