
لا معتقلون لبنانيون في السجون السورية! لم يعبر في تاريخ الأمة المحتلة سابقًا من جيش النظام السوري، ولاحقًا من ميليشيا النظام الإيراني، مسؤول إلا وردد تلك العبارة آلاف المرات، كلما تجرأ لبناني على السؤال، مجرد سؤال عن مصير معتقلينا هناك.
عشرات السنين وأهالي المعتقلين في أقبية تعذيب سفاح سوريا، وهم ينتظرون على قارعة الأمل، تحت الشتاء والصيف أمام مبنى الاسكوا، مات منهم العشرات وهم في الانتظار، يأس الآخرون، تركوا وعر السؤال لدى تلك السلطات المتعاملة مع أعداء لبنان، والمتواطئة معهم على النكران وتعذيب الأهالي، واتكلوا على الرب وحده لعلّ وعسى، وكلما تجرأ لبناني على معارضتهم كان نصيبه الاسكات القمعي، وليسكت الأهالي. أوهموهم بتأليف لجان للبحث والتقصي، وما كانت تلك اللجان سوى مقبرة لأسوأ ملف إنساني عرفه تاريخ سوريا ولبنان والعالم كله.
في عز قوة الاحتلالين، لم تسكت “القوات اللبنانية” ولم تتراجع عن السؤال عنهم، وإطلاق الملفات الإعلامية الخاصة بهم، لتذكير العالم بوجودهم، وكي لا تموت قضيتهم مع موت ضمير السلطات المتعاقبة، وذهبت القوات أبعد من ذلك حين تقدمت منذ سنوات بدعوى مباشرة ضد بشار الأسد بتهمة.
عندما تحررت أخيرًا سوريا من سفاحها، وفُتحت أبواب الجحيم على من تبقى من مئات آلاف السجناء المعارضين لذاك النظام الإرهابي المتوحش، وانهالت صور الفظائع بشكل غير مسبوق وغير موصوف لا في التاريخ القديم ولا في تاريخ البشرية الحديث. لا كلام يمكن أن يصف وحشية حافظ وبشار الأسد بحق الشعب السوري. لا يمكن للوحوش أن تفتعل بطرائدها كما فعل وحش سوريا بالسجناء، ولعل الأكثر وحشية من ذاك التعذيب غير الموصوف بحق الانسانية، هم لبنانيون تنكّروا لوجود معتقلين من أبناء بلدهم في أقبية السفاح، إرضاء للسلطات السورية آنذاك، واستمر الانكار حتى لحظة فتح أبواب السجون واكتشاف أكثر المشاهد ترويعًا بحق البشرية.
4 آب 2020، يوم تفجير مرفأ بيروت، تقدم النائب السابق انطوان زهرا باسم “القوات اللبنانية”، بشكوى ضد بشار الأسد والدولة السورية ووزيري الداخلية والدفاع ورئيس الأجهزة الأمنية علي مملوك وقيادة الجيش السوري وكل من يذكره التحقيق فاعلًا، بتهمة خطف وتعذيب وإخفاء لبنانيين، وبقيت الدعوى في غبار أدراج السلطة القضائية في قصر العدل في لبنان، ولم يجرؤ قاض واحد، ولو قاض واحد على متابعتها. أيار العام 2021 ومن جديد حركت “القوات اللبنانية” الشكوى بعد ورود معلومات تؤكد وجود معتقلين لبنانيين في أقبية السفاح، وابتلعتها من جديد غبار الجبانة والتراجع في أدراج قصر العدل.
سقط السفاح وهرب وفتح الثوار أقبية الفظائع حيث آلات تقطيع البشر، وآلات أخرى لسحقهم وأخرى لتذويبهم بالأسيد، وبدا أن الأمل بوجود معتقلين لبنانيين أحياء ممكن، فعادت “القوات اللبنانية” وحركت الدعوى من جديد علّ القضاء اللبناني يكون تحرر هذه المرة من عبودية الخوف والانحناء للاحتلالين معًا. لذلك حركت القوات الدعوى من جديد وللمرة الثالثة عبر النائب السابق ادي ابي اللمع ورئيس حركة التغيير المحامي ايلي محفوض، وطالبوا بإصدار مذكرة توقيف غيابية بحق السفاح والمدعى عليهم الآخرين الذي وردت أسماؤهم في نص الدعوى.
“لم نسكت يومًا عن الموضوع، خصوصًا بعدما تأكدنا من وجود معتقلين لبنانيين أحياء. السوريون من خلال عملائهم في لبنان، استعملوا كل الطرق السيئة لطمس هذا الموضوع، لكن نحن منذ البداية رفضنا الانصياع، وتقدمنا بكل الخطوات القانونية اللازمة في هذا الاتجاه، واليوم همّنا الأساسي استعادة أكبر عدد ممكن من أهلنا المعتقلين سواء أكانوا أحياء أم أموات، من حقنا إما أن نفرح بعودتهم أو أن ندفنهم ونحزن عليهم كما يليق. تلك الدعاوى توقفت لسنوات لأن في ناس ما عندن الشجاعة الكافية ليمشوا بها. لا أظن أن ديكتاتورية معينة قتلت شعبها كما فعل بشار، لم نرَ هذه الفظاعة في التاريخ، والتاريخ سيحاسب كل من كان شريكًا من اللبنانيين بهذه الفظاعة”، يقول أبي اللمع، ويعلن أن الملف فُتح ولن يقفل هذه المرة الا على الحقيقة مهما كانت صعبة.
تضمنت الإخبارات المتتالية التي قُدمت من قِبل “القوات اللبنانية”، أسامي وأرقام وشهادات محررين لبنانيين وسوريين، أخذت منهم معلومات تؤكد وجود لبنانيين، وهؤلاء طلبوا بإلحاح نقل المعلومات الى الجهات اللبنانية والى الأهالي أيضًا، كما تضمنت الإخبارات تسجيلات صوتية موثقة ضمن الدعاوى المقدمة، “ولكن من الـ2020 حتى ما قول من قبل هالتاريخ لليوم وين العدل بلبنان؟ وين الإخبارات والشكاوى وشو مصيرن؟ لا شيء” يقول المحامي ايلي محفوض، “دولة تعيسة أقرت التعويضات للمحررين من إسرائيل وتركت مشاريع القوانين التي تقدمت بها القوات لأجل المحررين من أقبية الأسد وأهملتها بالكامل، والآن ما لم يتم انتشال تلك الدعاوى، ثمة تحركات جدية سنقوم بها، إذ سنلجأ الى تدويل تلك القضية. فهذا موضوع شائك جدًا، لا يحتاج جهدًا من أفراد أو أحزاب، إنما يحتاج دولة ومراجع ذات اختصاص. ونحن مستعدون للذهاب الى سوريا لاستقاء أي معلومة عنهم، 622 لبنانيًا مجهول مصيرهم في أقبية السفاح، لذلك نطالب بإصدار مذكرة توقيف بحق بشار، وهذا الموضوع يحتاج ملاحقة ميدانية. ثمة أهل تقدموا بشكوى مباشرة بصفة الادعاء الشخصي ضد بشار الأسد خصوصًا بعدما نكروا وجود معتقلين، وإذ بنا نفاجأ بإطلاق البعض القليل جًدا منهم وبناء عليه كانت تلك الدعاوى وانطلاقًا من إخبار من هؤلاء المعتقلين المحررين، لكن حتى اللحظة النيابة العامة في لبنان لم تسطر أي استنابات، وإذا حصل وتقاعس القضاء سنلجأ للقضاء الدولي” يؤكد محفوض، علمًا أنه لا يتوقع الكثير في المدى القريب، “لكنها بداية وكل ذاك التحرك انطلاقًا من ضميرنا الانساني ومسؤوليتنا تجاه اللبنانيين والآن صار شغل الدولة، ودايمًا في أمل، نحنا من زمان بطلنا ننطر، وتحدينا أزلام ذاك النظام المتوحش بعز قوته ولم نخف ولم نسكت ولما نكر الجميع الـ622 اسمًا، كنا نحن نطالب بهم ونصر على وجودهم” يقول محفوض.
على جبهة “جمعية المعتقلين المحررين”، الأجواء هي نفسها، تتحرك الجبهة في أكثر من اتجاه عبر الرفاق المحررين من المعتقلات السورية، علي أبو الدهن وريمون سويدان. أبو الدهن وسويدان اللذان تذوقا علقم الاعتقال في أقبية السفاح، يعتبران ملف المعتقلين ملفًا شخصيًا خالصًا، إذ عايشا هول التعذيب هناك، وكل معتقل بالنسبة اليهم هو قضيته الشخصية. منذ سنين والجمعية تناضل وتناضل وتواجه غالبًا طواحين الهواء، ومع ذلك لم تتوقف يومًا عن المطالبة بالمعتقلين على الرغم من الضغوطات والعقبات الهائلة، وعلى الرغم من دفن الملف في إدراج تلك الدولة البائسة لسنوات طويلة، فهل من أمل اليوم بعد سقوط الطاغية؟
“الأجواء تبدو إيجابية، سنكمل حتى النهاية، وسنلزم الدولة بعدم الإعلان أن الملف انتهى وأن لا لبنانيين بسجون سوريا، سنكمل بعناد خصوصًا أن السلطات الجديدة في سوريا، أصرت أنها ستكمل البحث في السجون وأعلنت عن اكتشاف جثث معتقلين جدد، كما سنتابع مع الأمم المتحدة لفحوصات الحمض النووي، علمًا أن ثمة سجون غير مكتشفة بعد” يقول ريمون سويدان رئيس مكتب الأسرى في “القوات اللبنانية”، وبعدما أعلن الدكتور سمير جعجع أن جمعية المعتقلين المحررين هي اللجنة الحصرية المخولة متابعة هذا الملف “لن نتوقف وسنبقى نشاكس بالدولة وسنكون سدًا منيعًا لهم إذا ما حاولوا طمس الحقائق وطي الملف. وكمعتقلين محررين نحاول التواصل مع بعض الأشخاص في سوريا وهم من الثوار، لمعرفة المزيد من المعلومات” يقول سويدان، لكن هل من أمل فعلي بالتوصل الى معلومات دقيقة أو إيجاد معتقلين أحياء أو حتى أموات؟ “لا أخفي أمرًا بأن الأمل كتير صعب، لأن المعتقلين الذين فُرموا بفرّامة اللحمة، أو كبسهم بشار بالمكبس البشري، أو حرقهم بالأسيد، لا يمكن أن نعرف شيئًا عنهم، ولكن نحن نعمل كل طاقاتنا لنتوصل الى أي معلومة ممكن أن تفيدنا عن وجود أحياء، والباقي على الله” يقول سويدان.
الباقي على الله الذي كان أكبر شاهد على وحشية بشري، جعل من المعتقلين جرذانًا بشرية، ومعه صارت الحيوانات الكاسرة أكثر إنسانية منه، إذ حتى الوحوش عرفت لوحشيتها حدودًا بينما ذاك البشري المعتقل داخل وحشيته، تفوق على ذاته بهول الإجرام، ولن يعاقبه الله فوق وحسب، إنما المعتقلون أنفسهم هنا على الأرض ولا أحد يتوقع ما قد يمكن أن يكون عليه العقاب سواء بالمحكمة الدولية أو بمحكمة المعتقلين أنفسهم.
