عند سقوط حكم الرئيس حسني مبارك عام 2011 بفعل “الربيع العربي” ووصول الرئيس السابق محمد مرسي إلى الحكم في مصر بنتيجة الانتخابات التي جرت حينها، سُئِل الدكتور سمير جعجع من قبل بعض الإعلام عن رأيه في هذا الموضوع، فقال بما معناه، أنه إذا قرر الشعب المصري وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، فهو يحترم هذه الإرادة الديموقراطية، وليحكم هؤلاء حتى نرى كيف ستكون عليه تجربتهم.
قامت قيامة أبواق محور الممانعة على هذا الموقف، وتمّ تحوير مضمونه بما يتناقض كلياً مع المعنى المقصود به، ودُبِّجَت المقالات والمانشيتات في الصحافة الصفراء ضد الدكتور جعجع تحت عنوان “فليحكم الأخوان”، لكن ليس لأن هذا الموقف آتٍ من المريخ مثلاً أو لأنه موقف خاطىء في الجوهر، بل لمجرد أنه ممنوع على زعيم مسيحي في لبنان والشرق أن يعبّر عن احترامه لإرادة الغالبية من المواطنين بموجب انتخاباتٍ شرعية حصلت في دولةٍ من الدول العربية، خصوصاً إذا كانت هذه الغالبية هي من الطائفة السنّية، وخصوصاً أكثر وأكثر أن نظام الأسد الذي ادّعى أنه “حامي المسيحيين والأقليات في الشرق” كان يتصدّى مع حلفائه في محور الممانعة، بالحديد والنار والقتل والمعتقلات للشعب السوري الثائر ذي الغالبية السنّية في سوريا، وكان يُفترض بالتالي للمسيحيين وزعمائهم أن يُطبّاوا ويُزمّروا له، لا أن يعبّروا عن احترامهم للخيارات الدستورية والانتخابية للشعوب العربية وحق تلك الشعوب بتقرير مصيرها، أسوةً بما كان عليه موقف جعجع.
الحملة السياسية والإعلامية المسعورة التي استهدفت الدكتور جعجع تحت شعار “فليحكم الإخوان” استمرت منذ ذلك الحين وحتى الأمس القريب، لكن فجأة، وبعد انتصار الثورة السورية على نظام الأسد، صارت أبواق محور الممانعة تُردّد الكلام ذاته الذي سبق لها أن هاجمت الدكتور جعجع على أساسه، ولكن بعدما كان محور الممانعة هذا قد شارك بكل فعالية في قمع الثورة السلمية للشعب السوري، وبعدما كان هذا المحور قد اتهّم كل الثوار السلميين في سوريا بالتكفيرية والداعشية، محوّلاً الثورة السلمية للشعب السوري إلى ثورة مسلّحة يتقّدمها بعض الفصائل المتطرفة التي ساهم قمعه وقهره وظلمه وديكتاتوريته بجعلها متطرفة أصلااً.
فجأةً صارت كل أبواق محور الممانعة، من قادةٍ وسياسيين وإعلاميين، التي سبق لها أن نحرت الشعب السوري وشاركت بقتله، تدّعي بأنها “تحترم إرادة الشعب السوري وحرية خياراته”، علماً أن السيد أحمد الشرع الذي يقود الفصيل المسلح الأقوى من الثورة السورية اليوم ينحدر في فكره، نظرياً، من فكر تنظيم القاعدة، الذي يفوق فكر الأخوان المسلمين سلفيةً وأصولية، بصرف النظر عن التحولات في الفكر والشكل والمضمون التي طرأت عليه أخيراً، والتي تُبشّر بمزيدٍ من الاعتدال وتقبّل الآخر واحترام حرية الرأي والتعددية في سوريا.
تلك الأبواق التي حاولت أن تُلصق بالدكتور جعجع عبارة “فليحكم الإخوان”، صارت عملياً تردد اليوم عبارة “فلتحكم القاعدة”، باعتبارها هي التي اتهمّت ثورة الشعب السوري أصلاً بالداعشية والتكفيرية والقاعدية وليس نحن، بينما موقف الدكتور جعجع وموقف القوات اللبنانية كان وسيبقى منذ اللحظة الأولى للثورة السورية، “فليحكم الشعب السوري” بكل ديموقراطية وتعددية وقبولٍ للآخر، لأن ثورة هذا الشعب لم تكن يوماً بالنسبة لنا ثورةً تكفيرية أو قاعدية أو داعشية، ولا ثورةً يختصرها فكر واحد فحسب، بل ثورة حق وحرية وإنسان من كل فئات الشعب السوري وتوجهاته، بوجه الظلم والظُلّام والظلاميين لأي فئةٍ انتموا.
