
هنا ينتهي المنطق لتبدأ الحكاية، هنا يزال الركام بفعل الحرية، فمن لم يعرف تلك الأحياء؟، من لم يعرف شاطئاً حراً وشوارع مزهرة؟، من لم يعرف تلك المدينة التي كلّما شرّع لها التاريخ الموت قالت له “إنني الحياة”، تلك المدينة التي تنفّست الحق من الشرائع وعشقت الحياة، فكان الرباط بينهما رباط حب أبدي.
أهلاً وسهلاً في بيروت. أمُّ الشرائع ترحّب بكم. عروسة الأعياد ترحّب بزوّارها وأحبابها. قلب لبنان ينبض على مشارف الميلاد ليجدّد وعده السماوي ويبقى نابضاً بثقافة الحياة. لربما تأتي هذه الأسطر في سياق أيام عصيبة عاشتها البلاد، فهنا كان الضرب والدمار، وهذه الأحياء هي من دفعت فاتورة الطغاة والظلام ومنعدمي الضمير، لكن المشكلة الفعلية هي “جهل التاريخ”، فمن أدركه يدرك أن هذه العاصمة تشنق حتى الموت قبل أن ترضى بمصادرة قرارها.
أهلاً وسهلاً في بيروت، مدينة ترتدي الميلاد في أحيائها لتكون اليوم أمام ميلادها، إذ ليس غريباً عليها القيامة، وليس غريباً أن ترحّب بأهلها من كل أقطار العالم، فهي التي مرّت بها أرتال المماليك وذهبت كلها لتبقى بيروت. وسط فرح العيد ووسط عاصمة لا تعرف الموت أبداً، كيف تتجهز منارة الشرق لإستقبال أهلها؟.
باستشرافٍ بسيط للأحداث الأخيرة، نلحظ أن أيام لبنان المنصرمة لم تكن بالذهبية، إذ أن جولات الاقتتال السياسي رافقته في أعوامه الأخيرة، وسط فقدان “الرئاسة” وهيمنة الدويلة والتي كان ختامها علقماً، فدقَّت الحرب أبوابنا “بلا إذن وبلا دستور”، لأن بالفعل وللحقيقة “حاميها حراميها”، فبدل أن يحمي ويبني شرَّع البلاد والعباد لحرب ممنهجة الأسباب عبثية النتائج.
كل هذه المعطيات كأنها تقول لابن الوطن الحر “إرحل إنها جهنم”، وهذا ما أكد عليه دائماً رئيس الجمهورية السابق، فكيف بالأحرى لابن الوطن المغترب؟.
عذراً من رواد المنطق، فهذا الكلام يصبّ في اختصاصكم، إذ أن المنطق يقول إنها بلاد لا تليق بها الحياة. لكن يبدو أن “المنطق” تحطَّم أمام روشة بيروت، فشرَّع المطار أبوابه ليقول للعالم “هنا ينتهي المنطق لتبدأ الحكاية.. أهلاً وسهلاً في بيروت”.
في هذا السياق، وخلال جولة لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني على العديد من مكاتب السفريات، اتضح أن نسبة البطاقات المحجوزة لزيارة لبنان خلال فترة الأعياد، ضخمة ومرتفعة بالنسبة لأوضاع تتّسم بعدم الاستقرار. كما يجدر الذكر، أن أسعار البطاقات ارتفعت بشكل جنوني بعد وقف إطلاق النار وتمهيداً للأعياد، لأسباب لا علاقة لها بالضمير الاقتصادي وتستحق بذاتها دراسة مفصلة، فهل بات فرح الناس سبباً للاحتكار؟.
كذلك، أشار أحد أصحاب المكاتب إلى أن “بيروت لطالما كانت حلقة استقطاب في هذا الشرق، لما فيها من أجواء حياة وفرح، هذه حلّتها ولن تتغير، وهذا ما يتضح دائماً بالأرقام، إذ على الرغم من كل الصعاب، يظهر أن موسم الأعياد حافل بالزوار والمحبّين”.
كما تنعكس صورة بيروت الصامدة، في أزقتها وفي أصغر محالها التجارية، إذ خلال جولتنا على الأسواق التجارية اتضح أن مؤشر الإيجابية يطغى على السوق، على الرغم من المرور بفترة ركودٍ سابقة ومعقدة. فخلال حديث مع أحد أصحاب المطاعم في بيروت، أشار إلى أن “الركود الاقتصادي والمؤشرات السلبية لن تمنع العاصمة من الفرح، فكما دائماً يكون جوابها نهضة ما بعدها نهضة، لذلك أبوابنا مفتوحة لكل زائر ولكل عيد وكل فرح”.
نعم تستحقها بيروت، مدينة العجائب، فعلى الرغم من كل ألم، تقول “أهلاً وسهلاً”، فتعلِّم العواصم أن لا موت يطال الوطن ما دام شعبه حياً، ولن تطغى يوماً ثقافة الموت على الحياة. ربما يحكم التاريخ لفترات بـ”الطغاة” غير أنه التاريخ نفسه الذي أنصف العدالة دائماً.
هذه بيروت، أهلاً بكم فيها، أهلاً بمدينة الحياة، أهلاً بشوارع لا تنام وأحياء لا تستكين وشعوب لا تتعب. أهلاً بعاصمة الجمال والزينة. فلا بد أن نقولها دائماً.. “إن أراد الشعب الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”.