
كلما فاح عبق الميلاد تلبس الضيعة حلّة الحنين، وتذهب بالطرحة المخرمة مسحورة صاغرة الى تسعاوية الميلاد. هي حكاية سحر، حكاية نجوم تلمع في سماء الرجاء، حكاية مسحورة بكل التفاصيل، ليس فيها فقط مجوس ورعيان وضيعة صغيرة منسية عند حدود أفق الأمل اسمها بيت لحم، هي حكاية طفل يشع فينا على مدار السنة، وكلما جاءت ذكرى ميلاده العجيب نسكن النجوم اللامعة أفق السماء ونلحق بها على درب الفرح الغريب ونلبس كل تقاليدنا وعاداتنا الرائعة ونسكن مع المسيح في مغارته الصغيرة المتواضعة ولا نعود نريد أن نخرج…
لم تخرج ضياعنا عن عاداتها القديمة الحلوة في عيد الميلاد، ولم تتمكن المدينة من ابتلاع ما نشأنا وتربينا عليه وعاشه الأجداد. صار ما صار في وطن الأرز، بشاعات احتلالات اضطهادات تفجيرات اغتيالات، حاولوا قتل كل شيء فينا لكن الروح غلبتهم، وبقينا في الأصالة اللبنانية متجذرين. الإيمان، الإيمان وحده انقذنا، وجعلنا أكثر تمسكًا بما ملكناه عبر التاريخ، وليس أجمل من وراثة العنفوان والمقاومة والتجذّر بالتراث والتقاليد الشعبية المدهشة.
انا بنت الضيعة وأعرف ما يجري فوق وأعيشه بكل تفاصيله. كلما بدأت تباشير عيد الميلاد تلوح في زمن القرية، يبدأ فيي تغيير غريب عجيب. هو ذاك الجموح نحو الطفولة، نحو الشيطنة البريئة، وانسوا شقعة السنين والأعمار تلك. ما أن يطل كانون الأول، حتى يتسلل هيك شيء ما غير ملموس، غير مفهوم الى الضيعة، والى القلوب الصغيرة مهما كبرت الأعمار، هو الحنين، هو النغوشة بلغة الضيعة، هو ذاك الحنان المتدفق المغمس بالحلم… أجل بطل الزمن الميلادي هو الحلم، الذي يغرقنا بفائض المشاعر الجميلة تلك.
ما أن تعبر ليلة عيد البربارة وطقوسها كافة، من القمح المسلوق والقطايف والتنكر وطرق أبواب الضيعة وما شابه، حتى “تندرز” شبابيك الضيعة بأكواب صغيرة تُزرع فيها القمح والحمص والعدس لتزين لاحقَا مغارة الميلاد. والأجمل من كل ذلك، تبدأ الشبابيك المخرمة بدانتيل البرادي الناعسة على حلمها، تعكس ضوء زينة شجرة الميلاد والمغارة التي تتصدر غرف الشتاء تحديدًا. “حطّوا المغارة بالليوان حتى يتبارك كل البيت” كان يطلب منا غالبًا كاهن الرعية، وهذا تقليد قديم ما زال كثر في قرانا يتبعونه، للدلالة على البركة التي تحلّ بمجيء الطفل الإله.
قبل تسعة أيام من ميلاد يسوع تبدأ التسعاوية، كل مساء تلبس الضيعة طرحة بردها الدافئ، تتزين السيدات بشال كانون، والرجال بذاك المشلح الصغير على رؤوسهم “الكاشكوووررر”، ونذهب بغمر الحنين نصلي، نحمل كل ما فينا من خشوع ونجلس في الكنيسة الصغير المعتقة بزمنها، نركع تحت القربان ونرنم بأصواتنا النشاز غالبًا، لكن الحلوة لما فيها من خشوع “أرسل الله ابنه الوحيد نورًا للأمم”، ونترك الكنيسة ونبقى فيها مسمّرين على عيون المغارة التي نراها الأجمل بين القرى والمدن كافة، لأن فيها شيء ما من قلوبنا، عيوننا وحنيننا، وعند باب المساء “نتعازم” على فنجان قهوة أو فنجان سخن ونزرع الضيعة من بركة المشاركة في التفاصيل كافة مهما كانت صغيرة.
ليلة عيد الميلاد في الضيعة، هي ليلة الليالي. في الصباح تفوح رائحة الساحات بالأطايب، ستات الضيعة منهمكات بتحضير سفرة العيد، “العيلة كلها هون، بدنا نتعشى سوا ونحتفل”. لم تتغير تلك العادة بل تطورت أكثر وأكثر، ويبدو أحيانًا وكأن حبشة العيد والكبة النيئة والتبولة تحضر قبل يسوع الى السهرة، لكن لا بأس هي ليلة استثنائية ومسموح فيها الفرح المطلق. في البدايات لم تكن عادة تبادل الهدايا اجتاحت الضيعة، هو تقليد ابن بيروت، طارئ عليها في السنين الخمسون الأخيرة تحديدًا، واليوم صارت شقعات الهدايا أطول من شجرة الميلاد العملاقة في البيت، وساعات ذروة الفرح عندما تبدأ تتناهى أصوات الصراخ والضحك من شبابيك الفرح عند فتح الهدايا، وقد يلبس أحد افراد العائلة ثياب بابا نويل ليوزع هداياه على الجميع “شو هيدا كـ جدي، لابس أحمر وبيدور ع الناس يوزع هدايا ودخلك خلفيتو عريضة كتير كيف بدو يقشط من قسطل الصوبيا؟” كان جدي يسأل غاضبًا، ونهلع أن يسمعه ختيار العيد ويزعل ولا يأتينا بالهدية المنتظرة “دخيلك جدي أوعا يسمعك بابا نويل” نصرخ ببراءتنا التي طال زمنها، والأحلا أنه على الرغم من أننا أخبرناه أكثر من مرة حكاية بابا نويل الحقيقية الا انه لم يصدقها يومًا، وكان دائمًا يردد عبارة “ما فش هدية للحياة كلها أثمن وأحلا من يسوع المسيح”…
قبل ليلة الميلاد، تنهمك نساء الضيعة بأمر آخر غير سفرة العيد، وهو إعداد المغلي للضيافة، “أنا بس خلقت بقي بيي يوزع مغلي تلات شهور، فكيف بس يخلق الرب؟” كان يقول جدي ويلزم ستي بطناجر المغلي لتوزع على الاقارب والجيران. لم تخرج الضيعة من زمنها العتيق ذاك، وما زالت سيدات الرعية تحضِرن طناجر المغلي وتوزعنها في الأكواب المخصصة لها، ويزينها بأطايب المكسرات، لتكون جاهزة لليلة العيد حيث توزع بعد قداس منتصف الليل، ويحتفل الأهالي معًا في أنطش الكنيسة، وما تبقى من المغلي يوزع في اليوم التالي بعد قداس العيد.
لم يتغير الكثير وإن تغيّر في آن واحد، صحيح ما عدنا نعايد بعضنا البعض في البيوت بعدما حلت معايدة الواتساب مكان الزيارة، لكننا على نغمة واحدة طوال أيام العيد والى ما بعد رأس السنة نردد “تنعاد عليكن بالخير والبركة”، ولا يمكن الا أن تنعاد علينا بالخير والبركة طالما المسيح هو العيد، وهو البركة التي ستغرق لبنان هذه السنة بميلاد حقيقي فيه كل معاني الامل والفرح.
قرع جرس منتصف الليل، خشعت الدنيا للآتي باسم الرب، ذهبت الضيعة والمدينة الى القداس، بدأ الثلج فجأة ينهمر، “شو هالنعمة شو هالنعمة” تصرخ الضيعة، تدخل الكنيسة تعلو الأصوات “قلبي مهيا مغارة ربي عملي زيارة” النفناف الأبيض المنهمر خارجًا، هو الحب الدافق من مزود حقير وعذراء صارت أم الإله، ونجار متواضع يحمل زنبقة المحبة، ومغارة وحمار وبقرة وخروف ينفخون الدفء بمن أتى ليعلن علينا الحياة. ولد المسيح هللويا…
