#dfp #adsense

مشروع تحصين الدولة بدأ.. لهذه الأسباب نريد رئيسًا سياديًا إصلاحيًا

حجم الخط

الدولة ـ قصر بعبدا

كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1760  

 

اختلفت مقاربة انتخابات رئاسة الجمهورية بين الأمس واليوم. فقبل حرب 8 تشرين ومن ثم اتفاق وقف إطلاق النار وسقوط نظام الأسد، كانت الأولوية لرئاسة غير ممانعة ترفع غطاء الدولة عن الدويلة، وترسِّم الحدود بين الدولة والدويلة، وتمنع الخلط بين ما هو للدولة وما هو للدويلة، فيما الأولوية اليوم هي لتغيير النهج السياسي المتبّع في الحكم منذ العام 1990، لأن الدويلة، المحصنة بالسلاح غير الشرعي وبمشروع إقليمي يُلحق لبنان بإيران، انتهت إلى غير رجعة.

التمييز ضروري بين ما كان مطروحًا ما قبل الشغور وما بعده حتى حرب الطوفان، وبين ما هو مطروح اليوم، لأن عنوان المواجهة تبدّل، فلم يعد العنوان هو نفسه الذي تحكّم بالحياة السياسية منذ العام 2005، أي سلاح ما يُسمّى بالمقاومة، بين من معه ومن ضده، فهذا الأمر انتهى، ومن الخطأ الانزلاق إلى المكان الذي يريده “الحزب” وهو مواصلة النقاش في هذا الموضوع، لأن من مصلحة الحزب ربط النزاع في هذا العنوان وكأن شيئاً لم يتبدّل في البلد، فيما الحقيقة أن وظيفة هذا السلاح انتهت مع توقيع الحزب على اتفاق وقف إطلاق النار، وإقراره الخروج من جنوب الليطاني، وتسليمه بوجود سلاح واحد هو سلاح الدولة، وموافقته خطيًا على تفكيك بنيته العسكرية، وبالتالي انتهاء دوره المزعوم بالمقاومة، وإعادة إحياء اتفاقية الهدنة التي تحكم العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

ولم تقتصر المسألة على انتهاء وظيفة سلاح “الحزب”، إنما خروج الساحة السورية من السيطرة الإيرانية أدى إلى قطع طرق الإمداد من إيران إلى لبنان وخنق المتنفّس الوحيد للحزب. وما بين انتهاء الوظيفة وانتهاء المشروع الإقليمي تواصل إسرائيل استهداف الحزب بغطاء الاتفاق الموقّع من قبله، كما تواصل حربها الإقليمية مع إيران والتي لن تنتهي سوى برابح وخاسر. والواضح حتى الآن أن الخاسر الأكبر هو إيران التي خسرت الورقة الفلسطينية واللبنانية والسورية، وحبل خساراتها سيتواصل فصولاً في ظل إصرار أميركي وإسرائيلي على ضرب المشروع الإيراني التوسّعي من مركزه الأساسي في طهران.

فسلاح “الحزب” فقد وظيفته الداخلية المسمّاة مقاومة، وفقد مشروعه الإقليمي مع سقوط الجسر الإيراني، ولم يبق للحزب سوى السجال السياسي والإعلامي، أي ربط النزاع الإعلامي حول سلاح انتهت وظيفته وصلاحيته، ومن الخطأ الانزلاق معه إلى مواجهة افتراضية حول شيء لم يعد له أي دور ولا أي تأثير، ففي الداخل الآلية الدولية ستمنع بالقوة أي محاولة من الحزب لاستخدام سلاحه، ومن الخارج أصبح مطوّقاً من بنيامين نتانياهو من جهة، ومن أحمد الشرع (الجولاني) من جهة أخرى.

من هنا اختلفت المقاربة للانتخابات الرئاسية، بين الأولوية السيادية التي لا تعلو عليها أولوية، ومن دونها لا انتظام لعمل الدولة ولا إصلاح لمؤسساتها القضائية والمالية والإدارية، وبين الأولوية الإصلاحية بعد أن انتهى سلاح “الحزب” داخليًا وخارجيًا وأصبح المعطى السيادي محيّدًا بقرار دولي.

منذ اليوم الأول لسقوط الأسد، أكد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أن الشغل الفعلي لبناء مشروع الدولة وتحصينه بدأ اليوم، لأن ما قبل هذا السقوط وفي ظل طريق الإمداد الإيراني كانت المعركة سيادية وأحد أهدافها منع الممانعة من وضع يدها بشكل كامل على الدولة وإعادة عقارب الساعة إلى زمن الاحتلال الأسدي ما قبل العام 2005، وأما اليوم ففتحت معركة بناء الدولة، وشدّد الدكتور جعجع على عدم جواز الاستهانة بهذه المواجهة مع فريق استخدم الدولة خدمة لمصالحه، وسيطر على الدولة العميقة بمستوياتها كلها.

وبعد عشرين يومًا على كلامه في 8 كانون الأول قال الحكيم حرفيًا: “المنظومة تعمل ليلاً نهارًا لتهريب رئيس للجمهورية لا يحقِّق طموحات الشعب اللبناني، إنما يضمن لهم استمرار المرحلة الماضية. وفي المقابل، نحن مستمرون في العمل بكل جدية لمنعهم من تحقيق ذلك، ولن نسمح لهم بإعادة إحياء أنفسهم من جديد من خلال رئيس ينفِّذ أجندتهم”.

فمشروع الممانعة الذي بدأ مع الانقلاب على اتفاق الطائف انتهى، ولكن نهايته لا تعني انطلاق مشروع الدولة عفويًا وتلقائيًا، لأن المشروع الأول تحكّم بالدولة من خلال خلق مشروع سلطة وفساد يوفِّر له الغطاء، وبالتالي نهاية المشروع الممانع لا تعني نهاية مشروع المافيا الذي سيقوم بالمستحيل من أجل الحفاظ على مواقعه ومصالحه ومكاسبه ومنافعه.

وهنا بالذات تكمن أهمية الانتخابات الرئاسية كخطوة أولى ضرورية لوضع المدماك الأول والأساسي لإعادة بناء هيكل الدولة الذي تهدّم وتآكل، وتفويت هذه الانتخابات يعني تفويت المومنتم الذي أسقط المشروع الممانع، خصوصًا أن هناك فرصة لإنهاء مشروع المافيا بعد الانتهاء من مشروع الممانعة، وتفويت هذه الفرصة يعني استمرار لبنان دولة فاشلة، كما يعني أن المواجهة في المرحلة المقبلة ستُصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا في حال لم تُحسم اليوم بالضربة القاضية بالاتكاء على انتهاء مشروع لبنان الساحة والسلاح والفوضى.

فالمصلحة الوطنية العليا تتطلّب انتخاب رئيس للجمهورية يضع أولويته تطبيق الدستور والقوانين من دون أي مسايرة لأحد، والقطع مع كل الممارسة التي اعتُمدت منذ العام 1990 إلى اليوم، وهذا ليس أمرًا سهلاً في ظل منظومة اعتادت على تمويل أنشطتها من جيوب الناس ونهب أموال الدولة.

والتحدّي الأساسي يكمن في انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس حكومة وتشكيل حكومة من الفئة الإصلاحية نفسها التي لا أولوية لها سوى تطبيق القرارات الدولية والدستور والقوانين، ولا تتأثّر بترغيب ولا تهديد، وتطوي صفحة النهج السابق الذي ينتمي إلى الحقبة التي تحولّت فيها الدولة إلى مجرّد غطاء لدور الدويلة، وفتح صفحة جديدة من نهج جديد يعيد ثقة اللبنانيين بدولتهم ومؤسساتهم.

وهنا بالذات تكمن أهمية دور “القوات اللبنانية” والمعارضة النيابية السيادية كقوة ارتكاز للرئيس الجديد تسهيلاً لدوره وتغطيةً لقراراته، ولن تسمح “القوات” باستمرار مشروع المافيا بعد سقوط المشروع الممانع الذي وفّر للمافيا الغطاء لارتكاباتها وتجاوزاتها.

وتُختصر المواجهة الرئاسية اليوم بين مشروعين: الأول يريد القطع مع المرحلة السابقة نهائيًا والشروع في مشروع بناء الدولة، والثاني يريد إعادة القديم إلى قدمه والإبقاء على مشروع المافيا.

المشروع الممانع بسلاحه وعمقه الإقليمي سقط وانتهى، وكان يُفترض مع سقوطه أن يحلّ محله تلقائيًا مشروع الدولة، ولكن المشروع الممانع أنشأ منظومة سياسية اخترقت الدولة العميقة و”شلّشت” داخل مؤسسات الدولة، فاعتادت على ممارسة مافيوية يجب أن تشكل الانتخابات الرئاسية المدخل لإنهاء هذه المنظومة وإرساء ممارسة جديدة تتوافق مع متطلبات المرحلة اللبنانية والدولية الجديدة، وتجسِّد تطلعات اللبنانيين بدولة نقطة ارتكازها الدستور والقوانين، والمومنتم أكثر من مؤاتٍ لطي صفحة الانقلاب على اتفاق الطائف ببعديه الفوضى والمافيا.

 

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل