
إذا كانت الجمهورية الأولى قد انتهت مع التوقيع على اتفاق الطائف سنة 1990، فإن الجمهورية الثانية التي استمرّت منذ ذلك الحين حتى اليوم، وتميّزت بالفساد والمحسوبية والسلاح غير الشرعي، هي على وشك الانتهاء والبدء بمرحلة الجمهورية الثالثة مع انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية.
الجمهورية الثانية التي هي جمهورية الطائف صورياً، كانت في الحقيقة كل شيء إلا الطائف. ففي المرحلة الأولى منها كانت جمهورية الاحتلال الأسدي المباشر حتى عام 2005، وفي الثانية كانت مرحلة احتلال السلاح غير الشرعي المباشر وغير المباشر، منذ عام 2005 وحتى 2025.
هي 35 سنة من عمر اللبنانيين ذهبت سدىً وقضاها هؤلاء بين “حانا” الأسد وشبّيحته في لبنان، و”مانا” “الحزب” وحروبه المتواصلة، وبين “حانا ومانا” شبكة طويلة عريضة من الفاسدين والمحاسيب والمستفيدين من كل الأطياف والألوان، والنتيجة كانت أسوأ مرحلة وأطولها عرفها لبنان في تاريخه المعاصر.
بعد 35 سنة من الدوران في الحلقة المُفرغة نفسها، بلغت الأمور مرحلة الحسم واللاعودة، فإما أن تكون الجمهورية الثالثة المُنتظرة تصحيحاً للجمهورية الثانية ابتداءً من نقطة الصفر حتى يُعاد الاعتبار للطائف الصحيح كما كان عليه في منطلقاته، أو أن تكون ولادة لجمهورية جديدة من نقطة الصفر أيضاً حتى يُقرر كل لبناني ماذا عليه أن يفعل لضمان أمنه وحريته ومستقبله، ولكن لا عودة مجدداً إلى الجمهورية الثانية بصيغتها المشوّهة الحالية منذ 1990 وحتى اليوم، والتي ادّت إلى ما ادّت إليه من فشل وموت وهجرة وفقر وانهيار ودمار.
صحيحٌ أن الجمهورية الثانية في الطائف حولّت لبنان إلى النظام البرلماني برئيسٍ شرفي نظرياً، غير أن التوازنات المجتمعية القائمة، بالإضافة إلى المعادلات التي رسى عليها لبنان أخيراً في ظلّ المبايعة الشعبية والنيابية والمعنوية التي حظيت بها القوات اللبنانية وحلفاؤها، والحضور الذي باتت تتمتع به لبنانياً وعربياً ودولياً، تُعيد، فيما لو تقرر إعادة الاعتبار للطائف الصحيح من خلال انتخاب رئيسٍ سيادي حقيقي، طبع النظام اللبناني والمرحلة الجديدة للبنان بطابع رئيس الجمهورية، وتُعيد إلى هذا الرئيس دوره الطليعي الفاعل الذي سلبه إياّه الاحتلال والسلاح والفساد، جاعلاً منه فعلياً مجرد رئيسٍ صوري رمادي مُجبرٍ على التعايش والتأقلم مع هذا الواقع الذي يتناقض قانونياً ودستورياً وعربياً ودولياً مع كل ما يرمز إليه موقع رئاسة الجمهورية على أرض الواقع.
إذا كانت بعض الأطراف الداخلية تحاول التحايل على الحقيقة وتأخير ولادة الجمهورية الثالثة عبر التفاوض من تحت الطاولة وفوقها لإبرام صفقةٍ توصِل بنتيجتها رئيساً يكون مجرد امتدادٍ للمرحلة السابقة، غير أن المعادلات الفعلية والتوازنات الجديدة لم تعد تسمح بوصول هكذا نوع رئيس، مهما أعادت هذه الأطراف الكرّة من جديد على طريقة “جرّب حظّك مرةً اُخرى”.
فمفتاح دخول الرئيس الجديد باب قصر بعبدا صار بيد السياديين الحقيقيين، لكن ليس للابتزاز والأحادية والتفرّد والتشفّي، بل لوقف إهدار 6 سنوات جديدة من عمر اللبنانيين، ولطمأنة كل الخائفين والقلقين على حاضرهم ومستقبلهم كأفرادٍ وجماعات، ولإعطاء فرصة قيادة المركب اللبناني الغارق لمن لم تسنح له الظروف الماضية بوضع أفكاره وتصوّراته موضع التنفيذ على المستوى الوطني وإيصال لبنان إلى شاطىء الأمان، خصوصاً بعد فشل كل الرهانات السابقة، واستنفاد الآخرين كل الفرص التي اُتيحت لهم لإنهاض لبنان منذ عام 1990 حتى اليوم، وبالتحديد بعد العام 2005.
لذلك “مهما تأخر جايي”، وبشائر الجمهورية الثالثة تلوح في الأفق الوطني انطلاقاً من المجلس النيابي وصولاً إلى قصر بعبدا، وهي جمهورية الازدهار والإعمار والسلام والأمن والاستقرار والعدالة والمساواة، كما أرادها اللبنانيون، وكما لم يردها يوماً أولئك الذين أوصلوا اللبنانيين إلى هذا الواقع التعيس.
