
ينطلق اليوم عملياً ودستورياً مسار الخطوات الأولى للعهد الجديد بوتيرة سريعة، بعد مرور أربعة أيام فقط على انتخاب الرئيس العماد جوزيف عون وتسلّمه مهامه الرئاسية. إذ ستفتتح معركة التكليف وسيشهد اللبنانيون منذ ساعات الصباح وحتى فترة العصر توافد جميع النواب، سواء من الكتل النيابية أو المستقلين، إلى القصر الجمهوري في بعبدا لتسمية مرشحيهم لتولي مهمة تشكيل أولى حكومات العهد الجديد. يأتي التكليف بعد فترة طويلة من الشغور الرئاسي، الذي ترك البلاد تحت إدارة حكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، والتي أمضت مدة استثنائية في السلطة منذ عام 2022.
في ظل “فورة” الترحيب الداخلي والخارجي بانتخاب الرئيس عون ومضامين خطاب القسم الذي ألقاه عقب انتخابه سوف يواجه سيّد العهد الجديد تداعيات أي نتيجة ستسفر عنها الاستشارات النيابية الملزمة التي سيجريها سواء أدت الى إعادة تكليف الرئيس ميقاتي أو إلى تكليف أحد منافسيه والذين يأتي في مقدمهم النائب فؤاد مخزومي مرشح قوى المعارضة السابقة. ذلك أن “معركة” التكليف انحصرت بميقاتي ومخزومي على وقع قرار كتل المعارضة ترشيح الأخير وتصاعد أصوات نيابية لمعارضين و”تغييريين” ومستقلين بضرورة “إسقاط” ميقاتي كرمز من الحقبة الماضية التي يفترض انصرامها بعد انتخاب الرئيس عون، كما أن اتجاهات أخرى برزت منادية بتكليف رئيس محكمة العدل الدولية القاضي نواف سلام كعنوان متقدم للتغيير الإصلاحي لا ينتمي الى الطبقة السياسية التقليدية بكل اتجاهاتها. ولم تقلل معطيات المشاورات والاتصالات من احتمال تقدم طرح سلام في الساعات الفاصلة عن الاستشارات.
وبدا واضحاً أن معركة التكليف اختلفت عن المعركة الرئاسية لجهة غياب مؤشرات أي موقف خارجي وخصوصاً سعودي عن استحقاق تسمية رئيس الحكومة الجديدة. كذلك نقلت “النهار” عن مسؤول فرنسي رفيع المستوى نفيه ما تردد عن أن باريس تريد أن تتم إعادة تعيين نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، مؤكداً أن باريس لا تتدخل في الاسم بأي شكل من الاشكال، وبعض السياسيين اللبنانيين هم الذين يدّعون أن باريس تؤيد ميقاتي أو أي اسم غيره لكن لا صحة لذلك. وقد يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان في الأسبوع الحالي لتهنئة الرئيس جوزف عون واللبنانيين “بالأمل الذي يحمله هذا الانتخاب الذي يجب أن يليه بأسرع وقت تعيين رئيس حكومة وتشكيل حكومة تنفذ إصلاحات لتلقي المساعدات المنتظرة”.
أحدثت معركة التكليف فرزاً نيابياً جديداً حتى في صفوف أكثرية الـ 71 نائباً الذين كانوا النواة الصلبة لانتخاب الرئيس عون في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، إذ لم تتوافق كتل هذه الاكثرية على اسم واحد للتكليف بعدما بذلت محاولة متقدمة للتوافق على اسم نواف سلام. ولذا رسا خيار المعارضة على تسمية النائب فؤاد مخزومي، مشددة على “ضرورة فتح صفحة جديدة في موقع رئاسة الحكومة”. وتريثت كتلة “اللقاء الديموقراطي” في تسمية مرشحها إلى اليوم لمزيد من التشاور بعد اجتماع بحضور الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
في المقابل أبلغت مصادر الثنائي الشيعي في الساعات الماضية كل من يعنيهم الأمر أن ميقاتي هو المرشح الحصري للثنائي لتأليف الحكومة الأولى في العهد الرئاسي الجديد.
أفادت المصادر عينها أن القرار بشأن التكليف حاسم عند طرفي الثنائي ومأخوذ منذ فترة في سياق توجهاته للمرحلة المقبلة، وقد تولى رئيس مجلس النواب نبيه بري الإفصاح عنه مراراً خلال الآونة الاخيرة، مؤكداً لكل من فاتحه بالأمر بأنه “قرار لا رجعة عنه اطلاقاً لأن لنا ملء الثقة بالرئيس ميقاتي وبتجربته في إدارة دفة الأمور في أصعب الأوقات وأكثرها حراجة”.
كما تحدثت معلومات عن تنافس حاد بين ميقاتي ومخزومي، علماً أن مؤيدي ميقاتي يرجحون فوزه بما يتراوح بين 55 و60 صوتاً من اصوات النواب الذين سيسمونه خصوصاً أن هناك اصواتاً أساسية من الطائفة السنية ستصب لمصلحته، وهذا العدد في حال حصوله سيتجاوز ما حصل عليه ميقاتي في تأليف الحكومة الحالية.