Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ “فكر حر”: مكتوب العهد الجديد يُقرأ من حكومته

الزخم السياسي والنيابي والعربي والدولي الذي جاء بالعماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، والذي ترافق مع خطابٍ رئاسي دغدغ أحلام اللبنانيين التوّاقين لقيام الجمهورية القوية والذي انعكس ارتياحاً شعبياً عارماً للإطلالة السياسية الأولى للرئيس الجديد، هذه الأجواء الإيجابية يمكن أن تتبدّد بمجرد أن يلاحظ اللبنانيون تعارضاً بين الوعود والأقوال من جهة وبين الأفعال على أرض الواقع السياسي من جهةٍ ثانية.

لذلك، المطلوب أن تكتمل فرحة اللبنانيين عبر رؤيتهم رئيس حكومة جديد وحكومة إصلاحية سيادية جديدة تتكامل مع العهد الجديد ومع خطاب القَسم الجديد، فكأس الخيبات التي تجرّعها اللبنانيون طيلة عشرات السنوات تجعلهم اليوم يترقّبون بحذرٍ شديد مآل الأمور السياسية، لأنه غالباً من كان مسار الأمور في السابق ينحرف عمّا كان في بداياته، وهو ما يعود لاحقاً ويُعكّر على اللبنانيين فرحتهم العفوية الأولية.

الانطباع الجدّي الأول الذي يتكوّن عن أي قائدٍ أو رئيس وعن طريقة تفكيره، هو في رؤية أولئك الذين يحيطون به، وأولّهم هي الحكومة ووزراؤها، فعندما يكون هؤلاء من الأكفّاء والنزيهين والمخلصين والوطنيين والإصلاحيين والوجوه الجديدة غير الملوثّة بالفساد، يتأكد الإنسان من حكمة هذا القائد ومن صوابية قراراته ومصداقية كلامه، وعندها تكتمل فرحة اللبنانيين العفوية الأولية ويتبدّد حذرهم بعد طول تجارب فاشلة عبر التاريخ.

أمّا إذا كانت الحكومة ووزراؤها مجرد تكرارٍ للحكومات السابقة، فعدوى لوثتها ستنتقل بطبيعة الحال إلى العهد الجديد وستنعكس سلباً على نظرة الناس الإيجابية تجاهه، معيداً اليأس والإحباط إلى نفوس اللبنانيين، أسوأ بكثير ممّا كان قبلاً، باعتبار أن الناس تضع كل آمالها وأحلامها الأخيرة في سلّة الرئيس جوزيف عون.

صحيحٌ أن النظام اللبناني هو نظام برلماني برئيسٍ شرفي نظرياً، غير أن تمكُّن رئيس الجمهورية من الاستحواذ على الميثاقية المسيحية عبر احترام إرادة الأطراف الأكثر تمثيلاً للمسيحيين وتقريبها منه، خصوصاً أن الرئيس الجديد لا يمتلك أي كتلة نيابية أو أي قاعدة شعبية مسيحية واضحة المعالم حتى الآن، وخصوصاً أن الطرف الأكثر تمثيلاً للمسيحيين اليوم يتمتع بالنزاهة والآدمية والشفافية ويرمز إلى كل ما يدعو إليه العهد الرئاسي الجديد، هذا الاحتضان إذاً يجعل منه رئيساً فاعلاً بقوة الأمر الواقع المجتمعي والسياسي والتمثيلي، ويمنحه الصفة التمثيلية المسيحية الضرورية التي تمكّنه من لعب دور الحكم ودور الضابط الدستوري للتوازن الوطني تجاه الأطراف الإسلامية الأخرى، فالعصا العربية والخارجية لن تبقى إلى ما لا نهاية، وبالنهاية ستعود موازين التركيبة اللبنانية الدقيقة لتتحكّم بالإيقاع الدستوري في لبنان.

فرئيس الجمهورية في النظام اللبناني يحمل بُعدين تمثيليين، البُعد المسيحي بصفته يشغل الموقع الدستوري الأول للمسيحيين في الدولة، والبُعد اللبناني بصفته رئيساً للأمة جمعاء، وبالتالي فإن افتقاد الرئيس للبُعد التمثيلي المسيحي يؤدي إلى وقوع العهد الرئاسي في الخلل وانتفاء دور الحكم تجاه الأطراف اللبنانية الأخرى، ولنا في تاريخ العهود الرئاسية السابقة شواهد كثيرة.

من جهةٍ ثانية، لا يمكن تبديد الزخم اللبناني والعربي والدولي والشعبي الذي جاء بالرئيس الجديد عبر قبول هذا الرئيس بتشكيل حكومةٍ تحمل روحية قديمة، ولو ببعض الوجوه الجديدة، لأن هذا الزخّم معطوفٌ عليه موقف القوات اللبنانية الداعم للرئيس، باعتبارها الطرف الأكثر تمثيلاً للمسيحيين في النظام، هذا الزخم يُعطي رئيس الجمهورية كل القدرة على تحويل النظام اللبناني إلى نظامٍ رئاسي عرفياً بقوة الموازين القائمة، وهذا يعني تمكّنه من فرض نمطه ومشروعه الإصلاحي التجديدي السياسي على الجميع، خارج إطار المحاصصات المشبوهة والمعهودة، ومن دون السماح للأطراف الفاسدة غير السيادية القديمة بتعكير صفو هذا العهد وإفشاله قبل أن يبدأ.

مكتوب العهد الجديد يُقرأ من عنوانه، وهذا العنوان مُدوَّن في اسم رئيس الحكومة العتيد وفي الحكومة الجديدة التي يريدها اللبنانيون جديدة بالفعل وتُشبه العهد الجديد قولاً ومضموناً.​

Exit mobile version