
غاب وجه الحكيم وحضوره المادي في بعض الأمكنة الرسمية، لكنه كان الحاضر الأكبر في الاستحقاقات المصيرية كافة. كأن دخل لبنان في حاضرة الأعجوبة، كرة ثلج ضخمة جرفت معها كل ما هو مؤذٍ للبنان، لتضعه في خانة الانتصارات المتتالية، ولتركن الكرة عند تقاطع كبير اسمه الأمل، وفي كل استحقاق مفصلي كنت أرى وجه سمير جعجع!
لا، ليس لأني محازبة في “القوات اللبنانية”، وليس لأني أكنّ للحكيم محبة واحترامًا استثنائيًا، لكنه واقع الحال، سكن الحكيم كل تلك التفاصيل الرائعة غير المتوقعة كي لا نقول غير المسبوقة بتاريخ لبنان الحديث، وصنع منها الحكيم الكثير الكثير الذي أدى الى ما أدت اليه الأمور في المشهد السياسي اللبناني الأخير.
نبدأ من لحظة انتخاب رئيس الجمهورية جوزيف عون في قاعة البرلمان. في تلك اللحظة الرائعة بالذات، وبكل تطرف وانحياز شخصي للرجل أعترف، لم أرَ في تلك المشهدية الا وجه سمير جعجع بالذات، نضال الحكيم، مقاومته الصعبة القاسية حتى العظام عبر السنين، وجعه على لبنانه، قهره، ضيقه من المحتلين والفاسدين والمخربين، عناده اللامحدود ومثابرته لمواجهة كل تلك المنظومة المدمرة، رأيت زنزانته المشعة بحريته، وأيضًا نزاهته غير المسبوقة بين رجال السياسة الذين حكموا لبنان وهم ليسوا برجال، وكل تلك الهامة المتدثرة بكرامتها وعنفوانها ولبنانها والأهم مسيحها، لأجل استعادة لبنان من أنياب الاحتلال والفساد.
لحظة إعلان جوزيف عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية، كأننا قطفنا أول ثمرة تعب شهية من بستان الحكيم، وبساتين الحكيم مترامية المساحات، حدودها 10452 كلم مربعًا وكسور. “منذ ثلاثين عامًا وللمرة الأولى، يُنتخب رئيس لا على يد النظام السوري ولا على يد الممانعة، من هنا أبارك لجميع اللبنانيين”، قال سعيدًا بالحدث الكبير متجاوزًا نفسه، وهو الأحق بالترشح لرئاسة الجمهورية، الأحق كونه يملك أكبر كتلة نيابية وله ما له من شعبية مسيحية ومسلمة في الشارع اللبناني، والأهم له ما له من تاريخ نضالي عريق لأجل استرجاع وطن الحلم، جمهورية البشير، ومع ذلك لم يفعلها، لم يترشح “لانن ما بيحملوني، ممكن بأي لحظة اقلب الطاولة على الكل إذا ما كانت الأمور لمصلحة لبنان” قال بصراحة غير معهودة في الطقم السياسي اللبناني. تخلى عما يمكن أن يكون حقًا له، وطالب وحلم به مناصروه الكثر الكثر، ليضمن نجاح الاستحقاق الرئاسي عبر التمهيد لترشح العماد جوزيف عون وتعرفون البقية…
لحظة فوز نواف سلام برئاسة الحكومة مقابل اندحار نجيب ميقاتي، قطفنا سلال الغلة من بستان سمير جعجع خصوصًا وتحديدًا، وسلاله ممتلئة زيتونًا جبليًا طيبًا، وزيتًا أخضر صافيًا يقطر من غلال التعب والعرق والكفافي البيض على رأس فلاح لبناني معتق بتراب أرض لبنان. الحكيم فلاح أصيل صلب من وطن الأرز، زرع عبر سنين النضال، المقاومة الشرسة بوجه العدوان، وحصد تلك المشهديات المدوية بالكرامة، حصد بنضاله العنيد وطنًا حرًا وكان الثمن باهظًا وباهظًا جدًا ولم يسأل ولم يتوقف. انطلق مع المعارضة بترشيح فؤاد مخزومي بداية، ولما وجد أن الرياح تسير عكس ذاك الاتجاه، وقد تصب لمصلحة ميقاتي حيث ترغب الممانعة، غيّر دفة السفينة وراح مع المعارضة الى دفة نواف سلام، وحصل الطوفان. انتخب الرجل بأكثرية ساحقة مدوية، ومن جديد حصد سمير جعجع لبنان. ولما سألوه عن تهديد محمد رعد وغضبه من نتيجة الاستشارات الحكومية لم يشمت، لم يتجبّر، بل مد يد التعاون “في المرحلة الماضية خسر الجميع في لبنان وكانت البيئة الحاضنة للحزب أول من تكبد الخسائر، أما اليوم فان الجميع سينتصر بما يحصل لأن ذلك يصب في مصلحة لبنان واللبنانيين عمومًا”، هذا هو قائدي الذي لم أؤمن يومًا بسواه في لبنان وعلى مر سنين نضالي المتواضعة جدًا في القوات. وما أنا في القوات أمام سمير جعجع وشبان شجعان بقلوب كبيرة رموا أنفسهم في النار والشهادة لأجل لبنان؟!
عبر الكثير على سمير جعجع، وكلها صعب ومرّ ولم يكن أمرّها أكثر من المساهمة بوصول ميشال عون الى السلطة، وقف الحكيم يومذاك على جراحه النازفة هو ورفاقه المناضلين، الذي تأذوا مباشرة من مغامرات عون القاتلة، وأقنعهم بتجاوز الجراح لأجل لبنان، وحصل ما حصل وانقلب عون وباسيل على اتفاق معراب، وأبرم اتفاقية مار مخايل المدمرة مع “الحزب”، وعاد الرجل من جديد يسابق الزمن والريح ومروحة المآسي ليبقى الحد الأدنى من الكيان اللبناني ليحارب به ولأجله.
…هذا هو قائدي الذي رأيت الشمس على وجهه الهادئ المبتسم، في كل تلك الاستحقاقات الأخيرة العابرة بلبنان من هوة التخلف واليأس، الى ضوء الشمس وعبق ريح الحرية والازدهار والأمل الكبير.
هذا هو سمير جعجع رجل التنازلات لأجل لبنان، رجل انتصار الذات على كل صغائر السياسة والسياسيين الذين أساؤا لوطن أرزه، رجل الحكمة والذكاء الحاد والصبر الطويل، رجل المواجهة الحادة وقت يدق الخطر ع البواب، سمير جعجع رجل كل المراحل، صحيح أني كنت أحلم به سيدًا لقصر بعبدا، ولكنني الآن أراه سيد كل البيوت المناضلة لأجل لبنان، وأشكر ربي انه ليس في بعبدا فأنا لا أستطيع رؤية معراب من دون سيدها الحكيم، وبكل فخر أعلن انتمائي لقلب ذاك المناضل الشرس المسكون بحب المسيح والأرض والأرز ورياح الحرية المجنونة تلك….
