.jpg)
أما وقد قاربت مهلة الستين يومًا من تنفيذ طرفيْ اتفاق وقف إطلاق النار الإسرائيلي واللبناني على الانتهاء، من دون أي تطوّر ملموس دراماتيكي على الأرض، إن من ناحية الانسحاب المتبادل من الجيش الإسرائيلي و”الحزب” وترسانته، أو من ناحية وقف الأعمال العدائية بين الطرفين وعدم عودة النازحين إلى طرفيْ الحدود مع ما نراه من زعزعة وقف إطلاق النار، مما يضع الجنوب اللبناني والشمال الإسرائيلي أمام جولة أو جولات جديدة. وكل من واكب مراحل الوصول الى اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان الرسمي المفوّض من الحزب ودولة إسرائيل، لمس أن ما كتب على الورق واتُفق عليه إنما حصل بعد مخاضٍ عسيرٍ وخسائر كبيرة دفعها الحزب بقيادييه وعناصره وبيئته وشعبه أولًا، ولبنان بأهله وقراه ومدنه واقتصاده واستقراره ثانيًا، وآخرًا والأهم ما دفعه اللبنانيون من سيادة دولتهم وهيبة جيشهم وقواه الأمنية الرسمية الشرعية الأخرى.
من يراقب أداء الحزب وخطابه وأدبياته منذ ما قبل إطلاق شرارة الإسناد في 8 تشرين الأول 2023 وما تلاه، وصولًا الى موافقة وزرائه على الاتفاق في جلسة مجلس الوزراء تاريخ 27 تشرين الثاني 2024، لا يخطر في باله أن يصبح الحرام والمحرّم “حلالًا” لدى الحزب، وما سبق ان اعتبره خيانة ومساسًا بالسيادة واحتلالًا مقنعًا وانتدابًا جديدًا، يتحوّل في حساباته الى أداءٍ محمود ومطلوب، وتصبح التهم الارتكابات والإدانات التي رماها على خصومه المعارضين والذين يُصرّ على اعتبارهم أعداء، متبناة ومعتمدة ومؤيدة من الحزب نفسه وبتوقيعه المشار إليه سابقًا.
قبل موافقته على اتفاق وقف إطلاق النار كان الحزب يهاجم كل من طالب ويطالب بفصل جبهة غزة عن الجنوب اللبناني، ويعتبر المطالبة بتطبيق القرار 1701 تماهيًا مع العدو الصهيوني. وكانت المطالبة بالمفاوضات قبل وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان من سابع المستحيلات عند الحزب، وكان سحب ترسانته ومستعمليها وحامليها الى ما وراء الليطاني شمالا أيضًا من سابع المستحيلات، كما كان يرفض أي حديث عن تجريده أو منعه من تعزيز قوته وقواته وفقًا للقرارين الدوليين 1559 و1680. أكثر من ذلك، كان الحزب يشكك بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار والحماية والدفاع، حتى أنه كان يخوِّن ويعرقل مهام قوات “اليونيفيل” عبر اعتداءات “مقاومة الأهالي” لعقود خلت… وغيرها من الثوابت والشعارات والطروحات والتي كانت بمثابة “مقدّسات” من يمسها كأنه مسّ الذات الإلهية يستوجب الإدانة والتكفير وهدر الدم.
في مراجعة اتفاق وقف اطلاق النار، والذي وافق عليه الحزب معلنًا على أساسه وبنتيجته انتصاره الذي فاق حسب الشيخ نعيم قاسم انتصار تموز 2006، الذي كان بقيادة أمينه العام الراحل حسن نصرالله، نرى ان كل تلك المستحيلات والممنوعات والثوابت والمقدّسات قد تهاوت وتساقطت باهتة ذابلة تحت المتابعة والمراقبة والمحاسبة المشددة للجنة الرقابة التي يرأسها جنرال أميركي من القيادة الوسطى وحضور اسرائيلي مدعّم بالضمانات الأميركية لإطلاق يد إسرائيل وامتداد اعتداءاتها بحرًا برًا وجوًا على طول مساحة ال10452، وتمددًا الى ما وراء الحدود شمالًا وشرقًا وغربًا. كما نرى أن ما أُدرج في بنود الاتفاق هو تمامًا ما كان الحزب قد استند في رفضه لها تعطيلًا للانتخابات الرئاسية، ومقاطعة للجلسات الحكومية، واقفالًا للمجلس النيابي ومنعًا لجلساته، واعتصامات وإقفال للطرقات، وغزوة لبيروت والجبل، وتسلّطًا واستئثارًا لثلث معطل في الحكومات ولوزارة المالية، وسلبا للتوقيع الثالث، وتدخلًا في القضاء، واعتداءات على المناطق كعين الرمانة وخلدة وشويا وغيرها، وصولًا الى ما يرمي به الحزب اليوم كل من كان في السابق قد طالب وما زال يطالب بما رضي به “المقاوم الممانع” واقعًا موقّعًا، ولكن مكابرًا مسلّما ببنود اتفاق وقف إطلاق النار وملحقه. وما يحصل على أرض الواقع في الجنوب والبقاع والضاحية جوًا وبرًا من التزام للحزب لوقف إطلاق النار من “جانب واحد” في مقابل حرية حركة إسرائيلية، هو دليل آخر على هشاشة الوقف وحقيقة موقف مدّعي النصر.
قد يكون ما صرّح به “وزير الحزب” في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم عن أن “الخروقات تعني أنّ العدو يُعيد جمع بنوك الأهداف، فالمعركة العسكرية ليست لحظة إطلاق النار، وإنّما الاستطلاع فعل عسكري، فالإسرائيلي منذ العام 2006 وحتى معركة “أولي البأس” قام بـ39000 خرق برّي وبحري وجوّي، وهذا يعني أنّه كان يُجهّز لهذه المعركة”، من المؤشرات أو حتى من الدلائل التي تشير الى حقيقة ما آلت إليه “معركة أولي البأس”، وفي أسوأ الأحوال والتوقعات حسب بيرم الى ما ستؤول إليه من مثل ما حصل في تفجيري البايجر واللاسلكي والمستهدفات التي تلت وتوّجت بالإطاحة الجسدية لقيادات الصفوف الأولى واللاحقة في الحزب المنتصر أبدًا في ميزانه وحساباته الخاصة المحصورة.
بعد هزيمة النكسة عام 1967 بيومين، صرّح وزير الخارجية السوري البعثي إبراهيم ماخوس: “ليس مهمًا أن يحتل العدو الإسرائيلي دمشق أو حمص أو حلب، فهي مجرد أبنية وأراضٍ يمكن استردادها، المهم أن يبقى حزب البعث أمل الأمة…”… وبعد تأسيس الجمهورية الإسلامية في ايران وقيام الثورة عام 1979، قال مؤسس الجمهورية ومرشدها الإمام الخميني في إحدى خطبه: “الحفاظ على النظام الإسلامي الإيراني من أوجب الواجبات، وهو أهمّ من الحفاظ على حياة الإمام المهدي”… وعاد وكرّر تلك المقاربة في 7 تشرين الثاني 2022 عضو البرلمان الإيراني حسين جلالي في ظل مرشد الثورة خليفة الخميني الإمام علي خامنئي بقوله “إن حفظ النظام القائم في الحفاظ على النظام من الواجبات، حتى أهم من الحفاظ على حياة الإمام المهدي”.
كتب أنطوان سلمون في “المسيرة” ـ العدد 1760
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
