
لكل عملٍ سياسي منظم استراتيجية واضحة لتحقيق أهدافه البعيدة المدى، واستراتيجية حزب “القوات اللبنانية” رُسمت بوضوح منذ زمن الحرب اللبنانية، وعلى الرغم من تبدّل الظروف وتبدّل عناصرها، بقيت ثابتة وهي “قيام الدولة”، دولة القانون والمؤسسات، الضامنة للأفراد والمجتمعات والجماعات بكافة مشاربها، فالعدالة والمساواة بين المواطنين تزيد منسوب الانتماء للوطن، والدولة الحرّة المستقلة مصدر الأمان المفقود منذ عقود ليس فقط للمسيحيين بل لكل الطوائف ولو عبّرت عنها بأشكال مختلفة.
وهذا تحديدًا كان سبب اضطهاد حزب “القوات اللبنانية” ورئيسها. ففي ظلّ الاحتلالات المتتابعة منذ الـ1975 كادت تكون كلمة دولة لبنان الحرّ تهمة، والمطالبة بالاستقلالية خيانة عظمى. وهنا أيضًا يكمن سبب العداوة التي خلقها “الحزب” وغذّاها في عقول محازبيه، فاستراتيجية القوات تنقض كل ما بنى عليه “الحزب” إمبراطوريته في التهريب والسلاح وتقويض مفهوم الدولة ومؤسّساتها، والأحداث الأخيرة الطوفانية التي كادت تجرف البيئة الحاضنة والبلد ككل أثبتت صوابية حزب القوات ورؤيته بأن الجمهورية القوية وحدها تحمي وستبني ما دمره المحور الإيراني.
بعد أفول الاحتلال السوري حدّد حزب القوات استراتيجيته السياسية التي لم تختلف عن استراتيجيته العسكرية بالوسائل السياسية، من حيث الأهداف والاتجاه الرئيسي، بل اختلف التكتيك! أي أسلوب وأشكال ومناهج النضال، لتحقيق المهام الاستراتيجية والعبور إلى الدولة!
منذ خروج الحكيم من المعتقل سنة 2005، أولى اهتمامًا بالغًا للانتخابات النيابية، فالتغيير يأتي من داخل المؤسسات على الرغم من اهترائها، وانطلق الحزب من 5 نواب في الـ 2005 إلى أن حصد 19 نائبًا في الـ2022 هو “تكتّل الجمهوريّة القويّة”.
لا يخفى على أحد العمل المضني الذي دأب عليه الحكيم للمّ شمل قوى التغيير المنبثقة من الإنتخابات النيابية الأخيرة عن ثورة 17 تشرين التي كان مناصرو القوات في صلب تحركاتها، وعلى الرغم من خلفياتهم المتناقضة، تحت جناح استراتيجيته وتصوره للعبور لدولة لبنان الجديد، أعطت المحاولات الحثيثة ثمارها أخيرًا وتشكلت قوة معارضة تغييرية عابرة للطوائف ركيزتها تكتل الجمهورية القوية، الكتلة الأكبر بالمجلس النيابي، فأنتجت الانقلاب الأبيض الديمقراطي في رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء.
ولعل أخطر مسألتين في التكتيك هي الحلقة الرئيسية، أي آلية العمل والتوقيت. كتلة الجمهورية القوية الوازنة والتغيير الذي طال الأنظمة الديكتاتورية المتربصة بنا والقرار الدولي لقطع أذرع إيران في المنطقة، أتى بتوقيت ممتاز لاقتناص الفرصة التاريخية في لبنان وقلب المعادلة في الداخل وربما هذه المرّة الأولى التي “يبرم فيها الدولاب معنا لا علينا”.
مع تجمّع الأدوات اللازمة، الكتلة النيابة الوازنة بالإضافة إلى كتلة المعارضة الصلبة مع الأحزاب والشخصيات المستقلة الوطنية الأخرى وتوقيت هبوب رياح التغيير في الشرق الأوسط، استطاع سمير جعجع خوض المعركة السياسية بحنكة ودهاء، وقلب الموازين السياسية الخارجية والداخلية لمصلحة لبنان الجديد الذي كان حدد أوجهه وتوجهاته في خطاب قداس الشهداء في معراب. قبل ذلك، ناور وحاور وتنازل للمصلحة الوطنية العليا، فتفاجأ وأشاد من لم يفهم الحكيم وتضحياته يومًا، وانصدم وغضب من لم يستوعب ذكائه يومًا، وأعجب واندهش من راقب من بعيد. أمّا نحن، نحن الذين عرفناه وأوليناه ثقتنا ووضعنا بعهدته ماضينا ومستقبلنا، تنفسنا الصعداء وابتسمنا وردّدنا هذا هو قائدنا في “القوات اللبنانية”، هذا هو سمير جعجع! فتشرفوا جميعكم بمعرفته ومعاصرته، قائد قلّ نظيره! والسلام
