
بعد أحداث عام 1958 في لبنان ظهرت الحاجة إلى رئيسٍ توافقي قوي يوقف تلك الفتنة الأهلية بين المسيحيين وحلفائهم المؤيدين لسيادة لبنان من جهة، وبين المسلمين وحلفائهم المطالبين بالوحدة العربية بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر من جهةٍ ثانية، فحصل توافق أميركي مصري وصل بنتيجته قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة في تلك السنة.
قوبل انتخاب فؤاد شهاب بارتياحٍ إسلامي، خصوصاً من قبل المسلمين السنّة المؤيدين للرئيس عبد الناصر الذي كان العرّاب الأساسي لهذا الانتخاب، فيما كان موقف المسيحيين المؤيدين بغالبيتهم الساحقة للرئيس كميل شمعون ممتعضاً من هذا الانتخاب، باعتبار أن اللواء شهاب رفض تنفيذ أوامر الرئيس شمعون بإنزال الجيش على الأرض لفرض الأمن ووقف تدفق المسلحين والسلاح عبر الحدود اللبنانية السورية دعماً للمتمردين بوجه الشرعية اللبنانية في ذلك الحين.
على الرغم من الزخم العربي والدولي الكبير الذي أوصل الرئيس فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة، وعلى الرغم من الصلاحيات الكبيرة التي تمتع بها في ظل الجمهورية الأولى، خصوصاً أنه كان أيضاً يتولّى قيادة الجيش، ممّا مكنّه من التحوّل إلى ما يُشبه الديكتاتور العسكري الدستوري، على الرغم من كل هذا الزخم وكل تلك القوة، غير أن الرئيس فؤاد شهاب اضطُّر للاستعانة بالشيخ بيار الجميّل المؤسس لحزب الكتائب والاعتماد عليه للاستحواذ على الميثاقية الشعبية المسيحية، بوجه تيار الرئيس شمعون المعارض لمجيء اللواء شهاب أساساً، باعتبار أن الشيخ بيار كان يمثّل حينها زعامةً نيابية وشعبية مسيحية كبيرة تُمكّن الرئيس شهاب من الحفاظ على المشروعية المسيحية للعهد من جهة، وعلى توازنه الوطني من جهةٍ ثانية.
صحيحٌ أن الشيخ بيار المؤسس اشترك بفعالية في صدِّ تمرّد المتمردين على الشرعية، جنباً إلى جنب مع الرئيس كميل شمعون، ممّا جعله عرضةً للاتهامات بالفاشية والإجرام من قبل الأطراف المؤيدة للرئيس عبد الناصر، غير أن الشيخ بيار كان يمثّل زعامةً نزيهة متجرّدة وزاهدة احترمها المسلمون على الرغم من خلافاتهم العميقة معها، وهذا بدوره كان عاملاً مساعداً للرئيس شهاب في تقريب الشيخ بيار إليه حتى يوازن به زعامة شمعون المسيحية من جهة، والمتطرفين في معسكر الوحدة العربية من جهة ثانية، فشكّل حضوره إلى جانب شهاب أحد الركائز الأساسية للعهد التي استطاع الرئيس عبرها من التصدي لمحاولات تعرية مشروعيته المسيحية من جهة، ومقاومة ضغوط جماعة الوحدة العربية على عهده حائلاً دون انجرار هذا العهد إلى معسكر هؤلاء من جهةٍ ثانية، محافظاً بالتالي على توازن هذا العهد واعتداله ووسطيته وصلابة حكمه حينها، وعلى ترحّم اللبنانيين عليه حتى يومنا هذا.
فما أحوج المسيحيين واللبنانيين إلى هذه الثنائية اليوم حتى يتمكّن العهد الجديد من الانطلاق بكل قوة ومرونة وفعالية، وحتى يستطيع امتصاص كل ضغوط الممانعين المسلمين والمسيحيين التي ستنهال عليه من كل حدبٍ وصوب، بمجرّد أن يبدأ بوضع اللبنة الأولى في بنيان لبنان الجديد والدولة النزيهة القوية، مثلما جاء في بنود وفقرات خطاب القَسم.
