.jpg)
لقد تمادى ظنُّنا الإيجابي، بعد التحرّرِ من سلطة السّلاح، وإِن نظريًّا، الى أنّ بُنية الإجرام التي عاصرَت عمرَنا، قد بلغَت مرحلة الاستنفاد، وبات من المُلِحِّ صَوغُ تربية تبني سلوكًا سِلميًّا، قوامُها حُسنُ النيّة بالتّغيير، وتعليمُ حُسنِ الإقبال عليه، وهي تربيةٌ وطنية ترتكزُ على تنفيذ القوانين، وإلّا سيكون الأملُ بعهدٍ مُختلفٍ ضَربًا من العَبَث.
بالأمس، طلَّ علينا وجهُ قاتلٍ لا يستحقُّ الرّحمة، تَحوكُه أطباعُ الشرّ، منزوعٌ عنه ملمحُ الإنسان، وكأنّه قُدَّ من شيطان، ينأى عنه رونقُ الأخلاق، ولا يدوّي في جمجمتِهِ إلّا نعيقُ جهنّم. وما أتاه بقَتلِ الشّاب جورج روكز، هو تَحَدٍّ صارخٌ لسياجات السّلامة التي توجِبُ على الدولة صيانتَها، واستهتارٌ، عن قَصد، برسالةِ القَسَمِ التي لم يجفَّ تأثيرُها، بعدُ، وتبليغٌ عَلَنيٌّ واضحٌ بأنّ التّساهلَ في مسألةِ تسليم السّلاح للدولة، أمرٌ غيرُ وارد.
إنّ انتقالَ القاتل، وبسرعة، من منطقةِ الجريمة الى دويلة الاستقواء، دليلٌ يؤكِّد ما أوردناه، فالحمايةُ لمّا تزل قائمة في ” غيتو ” السّلاح، وهي عقبةٌ لا يمكنُ التّعاطي معها بالتّسويات، أو بالتّسويف، أو بتَبويس اللِّحى، بل بالقَمعِ القاسي ببُعدِهِ القانونيّ، أي بالحَزِّ في موضعِ الحزّ، وبالحسمِ في موضعِ الحسم، تدميرًا للباطلِ لإحياءِ الحقّ.
ليس مُزاجُ الناس، اليوم، القَبولَ بالأمر الواقع وكأنّ الزلزلةَ التي قَلَبَتِ الوضعَ رأسًا على عَقب، لم تَحدثْ !!! إنّ الجريمة الموصوفةَ هي استمرارٌ للإرهاب، والاستقواء، والتسلّط، وهدرِ الدمّ، والتَعَدّي على حقِّ النّاس بالحياة، وهي رَيُّ ظَمَأ الكراهيةِ بالقتل. فأين العهدُ على صَونِ الدمّ ؟ وأين العقابُ العادلُ للقاتلِ ولِمَنْ يوفّرُ له الحمايةَ ؟
إذا كنّا نؤمنُ بأنّ الدولةَ هي الحيثيّةُ القانونيّةُ الوحيدةُ والشّرعية التي تشكّلُ لمواطنيها مظلَّةً قوامُها القوانين، لينعمَ الشّعبُ بالسّلامةِ والحرية والعدالة، فليس مَقبولًا، أبدًا، استمرارُ حالة البلاد على كَفِّ الخطر، والتّغاضي عمَّن يتلذّذون بالتعدّيات، وبمشاهدة سيول الدمّ، وبالتحصّنِ في صومعاتِ الشرّ حيثُ قهقهاتُ الشياطين، وكأنّ تراجيديا الوطن لمّا تزل متواصلةَ المَشاهد.
هذا الواقعُ المأسوي الذي يجهدُ مُرتَكِبو المحرَّمات على استمرارِ إباحتِه، ليس سوى تهشيمٍ لصورة الدولة الموعودة، وتقويضٍ لرجاء الناس بإنهاء كابوسِ القتلِ والتّرهيب، وطمأنةٍ لأتباعِ الدّويلةِ من خشيةِ الحساب والعقاب… فإذا لم يكن، هناك، خوفُ تَبِعة، فالخيبةُ يمكنُ أن تؤدّي الى حَدِّ الترحّم على السَّلَف، لا سمحَ الله، وهذا ما لا نريدُه، ولا نسعى إليه. لذلك، فزوالُ انتهاكِ القوانين، ومَنعُ ارتكاب الموبقات، والقضاءُ على تَحَكُّمِ الشرّ بالمصائر، هي أمورٌ لم تَعُدْ تَقبلُ الخنوعَ، كما في السّابق، ولا التلطّي بهرطقةِ الخوف من الفتنة، أو المسايرة خلفَ مقولة الأمنِ الوطنيّ… فالقانونُ هو خيمةُ الناس الواقية، وضمانتُهم الحقيقية، وأحهزةُ الدولة القضائيّة والأمنيّة هي، وحدَها، الوسيلة المُثلى للانتقال بالمجتمع من حال الإحباط، والجَور، والتسويات، والسّقوط في الهاوية، الى مشروع السلطة الشجاعة والمُواجِهة، وهكذا، يستفيقُ الشّعبُ على وعودٍ متَرجَمة، وعلى قبضةٍ حديديّةٍ تودي بالمجرمين، أيًّا كانوا، الى أعواد المشانق…