Site icon Lebanese Forces Official Website

وأنتِ يا “عَـيشيّة”… لستِ الصغرى في شعبي!

نحو القرن الثامن والسابع قبل الميلاد، ظهر النبي ميخا، بنبوءته الشهيرة التي ترتّلها الكنيسة المارونية ـ كغيرها من نبوءات العهد القديم ـ في صلواتها وألحانها لعيد الميلاد المجيد، يذكر فيها “بيت لحم” في “أفراته”، بأنّها ليست أصغر مدن يهوذا، فمنها يخرج الراعي والقائد ليرعى الشعب ويُعيد العزّة والسلام والمجد! (سفر ميخا، العهد القديم، الفصل 5/1-5).

اليوم يطلّ من العيشية ابنها المغوار قائد الجيش جوزيف عون، الذي انتخب رئيسًا للجمهورية في 9 كانون الثاني 2025، وبإجماع كبير من اللبنانيين الذين أحبوه شعبًا وجيشًا، لا بل دولًا وقيادات ومرجعيّات على مستوى يتخطّى الوطن الجريح والمتألّم!

اليوم تفرح وتهلّل هذه البلدة الوادعة، لكن هذا الفرح والتهليل جاء نتيجة جهاد كبير وتاريخ عريق، توّج بالمجد والانتصار!

بلدة العيشيّة، من قضاء جزّين وجبل الريحان وجنوب لبنان، هي على مثال بيت لحم أفراته حيث ولد يسوع المسيح، أثمرت أبناءً أفاضل، وعاش أهلها الطيبة والبركة والكدّ والكفاح من أجل كرامة العيش، لكنهم عانوا القتل والتهجير في تشرين الأول 1976، فاستشهد من أبنائها 54 شهيدًا، على مثال أطفال بيت لحم، فكانوا ملائكة في السماء يصلّون بطهر وأناة للشعب والوطن…

هذه القرية التي تحدّت كلّ الضيقات، ونفضت عنها كل غبار وألم، وتألّقت بأبنائها الطموحين الذين انتشروا في أصقاع الأرض وتبؤوا أعلى المناصب، وقدّموا عشرات التضحيات، وانخرطوا في الشأن العام، وحافظوا على الأرض والهوية والانتماء الوطني.

العيشية ليست مجرّد قرية، تتمتّع بجمال وروعة، ويسكنها أهالي طيّبين، بل هي مسار نضال تاريخي طويل في حياة صمود وعزّة وإباء! هي بصمة الروح على الجسد المنهك بالآلام والضيق والسائر على طريق القيامة المنشودة! لقد أتى انتخاب جوزيف عون قائدًا للجيش، ثم رئيسًا للجمهورية، وشعب العيشية يعشق العزّة والنضال والحرية. لقد نهضوا بقريتهم وجعلها أبناؤها نجمة مشّعة في السماء! لقد ذاع صيتهم، وحملوا إسم قريتهم، ولم ينسوها لا في احتفالاتهم ولا في مناسباتهم ولا في نشاطاتهم ولا مشاريعهم ولا في مبادراتهم، فلم يقصّروا في ما احتاجت إليه، وقصدها كثيرون أرادوا التعرّف عليها ومساعدتها لا شفقة ورحمة بل إرادة في خدمة أبناء أعزاء وقرية متألقة على الرغم من كل التحدّيات!

اليوم العيشية بعد اكتمال مجدها وكمال عزّتها، بشفاعة العذراء مريم سيدة الحبل بلا دنس ومار أنطونيوس الكبير، وبجهاد أبنائها الشرفاء وأدعية المصلّين الخاشعين، اكتمل نصاب النوّاب ليضعوا أوراقهم مصوّتين للعماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية!

العيشيّة اليوم تدخل التاريخ من الباب العريض، بعد أن جاهدت الجهاد الحسن تضحية ونقاء وجهادًا وعملاً، وبعد أن أصبحت على قدر الحدث والاستحقاق، نجد في سير الأمور، أن ارتأى أصحاب الشأن والقرار أن يقوموا بما يجب أن يقوموا به. وما أفضل أن تكون تلك القرية الوادعة، حديقة خصبة نضرة تحضن هذه الوردة الفوّاحة، التي تعطّر الوطن بأريج أخلاقه ونضاله وخدمته!

اليوم بعد أن نالت دماء شهداء العيشية العزّة من الله عزّ وجلّ! ومن الملائكة وجمهور الأبرار القديسين، ومن الشهداء القديسين، ومن أبناء البيعة الأرضية؛ وبعد أن حضنت ضرائحهم بالزهور والصلوات والقرابين والتضرّعات؛ وبعد أن سار شبابها الميامين وكهولها المناضلين وأجدادها الأعزاء وأطفالها الواعدين، في مواكب النور والحب والقوة، انتصرت على المآسي على الرغم من الأنين ووجع الفراق، وعمّها الرجاء الذي لا يخيب!

اليوم بانتخاب العماد جوزيف عون، ابن العيشية البار، رئيسًا للجمهورية اللبنانية، بعد كل المآسي التي مرّ بها لبنان، تكون العيشية صورة مصغّرة عن ذلك التاريخ وذلك النضال وذلك الانتصار، بكبر وخفر وشجاعة!

اليوم العيشية، تلك القرية الصغيرة، والبلدة المتألقة من قضاء جزّين من الوطن اللبناني الحبيب، منها خرج القائد، من مدرسة الشرف والتضحية والوفاء، ومن أرض لبنان الأبيّة، ومن أرض العيشيّة المجاهدة في سبيل الحق والنور، ليكون مشروع خلاص للشعب والأمّة، في ظلّ تحدّيات كثيرة. ولقد استحقّت العيشية هذا المجد بعد اكتمال جهادها، واستحق ابنها البار كل الاستحقاقات العليا، ليكون خير من يتسلّم رئاسة الجمهورية في هذه الأيام الصعبة!

اليوم أصبحت العيشية ـ بعد عناء طويل وجهاد كبير ـ مدرسة في الانتصار والعزّة والإباء! مدرسة في الفضيلة والصمود والتجّذر في الأرض، مدرسة في البقاء والوجود والحضور، مدرسة في النور والحياة والمحبة!

اليوم تطلّ العيشية على لبنان والعالم، بجبين مرفوع، من شهدائها الذين صاروا ملائكة في السماء، الى أبنائها الحاملين عبق المحبة والخدمة والتجرّد، ليكون روّادًا في العطاء والنزاهة وبذل الذات!

كما المسيح بذل نفسه فداءًا عن كثيرين على الصليب، هكذا هذه القرية الوادعة بذلت تاريخها وروحها وحياتها في سبيل الوطن، حرّية وسيادة وعزّة!

اليوم تننفّس الصعداء لمن سيحمل آمال اللبنانيين كلّهم، ليكون هو قائد الجمهورية ومنقذها!

وأنت أيها الرئيس العتيد لعهد جديد، تطلّ علينا بعد ليل طويل من الأزمات والمحن، نوجّه إليك الأنظار، ونعقد عليك الآمال الكبرى، علّك تجعل من لبنان عيشيّة كبيرة، ملؤه النهضة والجمال والإخاء! لقد تعب شعبنا من الانقسام والتمرّد والفوضى، وقد حان الوقت الآن لأن تكون القائد والراعي لكل الجمهورية كما كنت في مؤسسة الجيش، قائدًا مقدامًا نزيهًا جبّارًا!

اليوم أصوات الناس تناديك، وصلوات الشهداء تضرع إليك، وجمال الأرض وبهائها يزهو بالإشراق، وغصون الأرز تهزّ كما طائر الفينيق المنتفض، علّنا من خلالك يشرق النور على وطننا لبنان الذي أنهكه الظلم والظلام والقهر والنهب …

لك منّا كل دعاء واعتزاز وفخر، أيها الرئيس المشرق والمشرّف، لتنقذ سفينة الوطن وتقودها الى برّ الأمان، وتعلي راية الانتصار والمجد والقيامة

 

روجيه عفيف ـ دراسات عليا في التاريخ

Exit mobile version