Site icon Lebanese Forces Official Website

الخيار الحاسم: بين حكومة الوفاق الوطني وحكومة المساءلة

يواجه لبنان اليوم مرحلة سياسية دقيقة مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتكليف رئيس جديد لتشكيل الحكومة. وبين ضغوط الداخل ومطالب الخارج، يعود إلى الواجهة خيار تشكيل “حكومة وفاق وطني” تحت شعار الشراكة الوطنية. هذا النموذج الذي اعتُمد لعقود ثبت فشله، إذ تحوّل إلى غطاء لتوزيع النفوذ والمحاصصة وتعميق الأزمات. فكيف لدولة أن تنهض إذا شارك في إدارتها الفاسدون والمعطلون لمؤسساتها؟ وهل يمكن بناء دولة قادرة على الإصلاح في ظل غياب الفصل بين السلطات؟

وفي هذا السياق، أكد الرئيس المكلّف نواف سلام أن مرجعيته الوحيدة في تشكيل الحكومة هي الدستور اللبناني، قائلاً: “أنا أقرأ في كتاب واحد هو الدستور” ومن هنا يجب التقيد بذلك دون أي شوائب أو تمييز بين الفرقاء. هذا الموقف يُشكّل خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، لكنه بحاجة إلى ترجمة فعلية عبر تشكيل حكومة مستقلة ومتماسكة.

لبنان اليوم أمام خيار مصيري: إما مواصلة الدوران في حلقة مفرغة من الأزمات، أو اختيار طريق الإصلاح الحقيقي من خلال حكومة متجانسة ومسؤولة أمام الشعب.

أولًا: حكومة الوفاق الوطني… وصفة مكررة للفشل
تجربة الحكومات اللبنانية التي اعتمدت مبدأ “الوفاق الوطني” أثبتت أنها ليست أكثر من غطاء لتقاسم النفوذ وتعزيز المحاصصة، ما أدى إلى تعطيل الدولة وفشلها في معالجة الأزمات.

1. غياب المحاسبة:
عندما تضم الحكومة جميع الأطراف السياسية، يفقد مجلس النواب دوره الرقابي، وتصبح الحكومة غير خاضعة للمساءلة. الجميع شريك في القرار، ولا أحد يُحاسب على الفشل أو الفساد.

2. استمرار الفساد والمحاصصة:
مشاركة قوى سياسية متورطة في الفساد وغير مؤمنة بمرجعية الدولة يؤدي إلى إعادة إنتاج الفساد في التعيينات والمشاريع، في غياب معايير الكفاءة والنزاهة.

3. شلل الإصلاحات:
أي مشروع إصلاحي يتطلب توافقًا حكوميًا شاملًا، وهذا التوافق شبه مستحيل في حكومة تجمع المتناقضات السياسية والطائفية، ما يؤدي إلى شلل مزمن في اتخاذ القرارات المصيرية.

تجربة حكومة الوفاق الوطني بعد اتفاق الدوحة عام 2008 هي خير دليل وشكّلت نموذجًا صارخًا للفشل، حيث أُعطيت القوى السياسية المتعارضة حق الفيتو، ما جعل الحكومة عاجزة عن تنفيذ أي إصلاحات اقتصادية أو بنيوية رغم التحديات المتفاقمة.

ثانيًا: حكومة سياسية متجانسة… الطريق الوحيد للإصلاح الحقيقي
لبنان بحاجة إلى حكومة سياسية متجانسة تمتلك إرادة الإصلاح وبرنامجًا واضحًا، وقادرة على اتخاذ قرارات جريئة لمعالجة الأزمات المتراكمة.

1. وضوح في المسؤوليات:
تشكيل حكومة من فريق سياسي محدد ببرنامج إصلاحي واضح يُحدد المسؤوليات بوضوح، ويُسهّل محاسبة الحكومة من قبل قوى المعارضة في البرلمان.

2. خلق معارضة حقيقية وفعالة:
وجود معارضة خارج الحكومة ضروري لضمان رقابة صارمة ومساءلة جدية، ما يُعيد التوازن إلى العمل السياسي ويمنع الاستفراد بالسلطة.

3. تسريع تنفيذ الإصلاحات:
حكومة متجانسة سياسيًا ستكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات جريئة وسريعة، خصوصًا في الملفات الاقتصادية والمالية، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والطائفية.

4. استعادة ثقة الداخل والخارج:
حكومة واضحة الهوية ببرنامج إصلاحي محدد ستنال ثقة المجتمع اللبناني والمجتمع الدولي، ما يُعزز فرص الحصول على دعم اقتصادي واستثماري يُسهم في تعافي الاقتصاد. ويأتي تأكيد الرئيس المكلّف نواف سلام على أن “الدستور هو المرجع الوحيد في تشكيل الحكومة” ليُعزز أهمية الالتزام بالمبادئ الدستورية وتشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة والتدخلات السياسية، ما يُمهّد لاستعادة ثقة الداخل والخارج بجدية مسار الإصلاح.

ثالثًا: استبعاد الفاسدين والمعطلين… شرط أساسي لبناء دولة عادلة
لا يمكن بناء دولة المؤسسات مع استمرار مشاركة القوى المتورطة في الفساد أو غير المؤمنة بسيادة الدولة.

1. إقصاء الفاسدين:
لا يمكن إشراك قوى متورطة في قضايا الفساد أو استغلال المال العام في أي حكومة إصلاحية. الإصلاح يبدأ من تنظيف السلطة التنفيذية من العناصر الفاسدة في كل إدارات الدولة.

2. رفض الشراكة مع المعطلين:
الأطراف التي استخدمت السلاح أو وسائل غير شرعية لتحقيق مكاسب سياسية لا يمكن أن تكون شريكة في بناء دولة القانون.

3. إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة:
المطلوب اليوم هو سلطة سياسية تؤمن بالدولة كمؤسسة جامعة، لا كأداة لتوزيع النفوذ والمصالح الطائفية والحزبية.

يجب اتخاذ خطوات عملية في هذا السياق ومنها:
– تشكيل حكومة مصغرة من وزراء متخصصين في الاقتصاد والإدارة بعيدًا عن الانتماءات الحزبية.
– فرض معايير شفافة لاختيار الوزراء، تعتمد على الكفاءة والنزاهة والخبرة.
– إقرار قوانين تجرّم تعطيل المؤسسات العامة وتفرض محاسبة جدية على من يعطل العمل الحكومي.

رابعًا: دور مجلس النواب كمعارضة رقابية مستقلة
نجاح أي حكومة يتطلب وجود معارضة سياسية فاعلة تراقب الأداء وتُحاسب الحكومة على أدائها.

1. تعزيز الرقابة والمحاسبة:
يجب تفعيل دور مجلس النواب كسلطة رقابية على أداء الحكومة، بعيدًا عن الحسابات الطائفية والحزبية.

2. إعادة التوازن بين السلطات:
الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يعزز المساءلة ويمنع استحواذ أي طرف على القرار السياسي.

3. منع الاستفراد بالقرار:
وجود معارضة حقيقية وقوية يمنع الحكومة من الاستفراد بالسلطة، ويُجبرها على احترام القوانين وتقديم حساب دوري للشعب.

العودة إلى حكومة وفاق وطني تعني إعادة إنتاج الفشل وتعميق الأزمات. هذه الصيغة لم تعد صالحة لحل الأزمات بل أصبحت غطاءً لاستمرار الفساد وتعطيل الإصلاحات. لبنان بحاجة إلى حكومة سياسية متجانسة تمتلك إرادة الإصلاح ومعارضة قوية تراقب وتُحاسب.

المرحلة المقبلة هي فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس سليمة. على النخبة السياسية أن تدرك أن التغيير يبدأ من رفض الترضيات والمحاصصات، واعتماد الكفاءة والمساءلة كأساس لتشكيل الحكومة. السلطة مسؤولية وليست غنيمة. فليكن هذا العهد بداية حقيقية لدولة القانون، لا استمرارًا لعهد الفساد والانهيار.​

Exit mobile version