
سكتت الأسلحة في غزة، علت أصوات المحتجزين المحررين من الطرفين، وانطلقت المرحلة الأولى من تسليم الرهائن بعد 15 شهراً من الدمار والقتل والنزوح، ليشهد الشرق الأوسط على مرحلة أقفلها الرئيس الأميركي جو بايدن في آخر أيامه، وصفحة جديدة سيبدؤها الرئيس الأميركي الجديد في أولى أيامه التي ستنطلق قريباً. نال لبنان حصة كبيرة من هذا الشرق الأوسط الجديد، فبعدما كان يصر حسن نصرالله قبل مقتله، على أن جبهة الجنوب لن تتوقف قبل توقف الحرب في غزة، رافضاً وقف اطلاق النار في لبنان، تغيرت الأمور ونصرالله لم يعد موجوداً، فتوقفت الحرب في لبنان وانفصلت جبهة الجنوب عن غزة، ووقّع الشيخ نعيم قاسم على قرار وقف اطلاق النار قبل 60 يوماً على انتهاء الحرب في غزة.
المشاهد الآتية من غزة والتي تتحدث عن انتصار، يراها المراقبون عبر موقع القوات اللبنانية الالكتروني، بأنها تشبه المشهد الذي تلا اعلان وقف اطلاق النار في لبنان، حيث خرج مناصرو “الحزب” معلنين الانتصار على انقاض لبنان وأشلاء ضحاياه، وغصّت المنابر بمسؤولين “الحزب” ونوابه، وبدأت حملة الترويج للانتصار الوهمي الذي لم يتحقق يوماً الا في عقول من هم في هذا المحور البائد الذي يعتاش على الدمار والقتل والحروب العبثية.
يرى المراقبون أن الحرب انتهت في غزة، والمفارقة أن غزة والقضية الفلسطينية التي لطالما شكّلت شمّاعة لمحور طهران، وتحت شعارها ارتكب الكثير من الحروب والجرائم، هي من انهت هذا المحور واذرعه في المنطقة، بدءاً من حماس في غزة، مروراً الى “الحزب” في لبنان، وصولاً الى سقوط الأسد في سوريا، وهذا الاندحار في طريقه الى إيران، وكل من تاجر بالقضية الفلسطينية سقط وانهار، ولم يعد اليوم من تجار هذه القضية سوى ايران التي تقف وتشاهد مشروعها التوسعي ينحسر وينتهي رويداً رويداً نتيجة الاستراتيجيات الايرانية الخاطئة وسوء التقدير.
يضيف المراقبون: “ستخرج حماس وتقول إنها انتصرت، وستعيش حالة الانكار ذاتها التي يعيشها “الحزب” اليوم في لبنان رافضاً تقبل الواقع، لكن غداً ومع انقشاع الرؤية، وتثبيت الحكم الجديد في غزة من دون حماس، ستكتشف ان الامر انتهى، كما حصل في لبنان بعد انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية، اذ اضطر الحزب مرغماً على انتخابه، وبعدها سقط مرشح الحزب نجيب ميقاتي خلال الاستشارات النيابية في قصر بعبدا التي كانت علامة فارقة ايقن الحزب عبرها ان هناك مرحلة جديدة غير قادر على مواجهتها”.
يتابع المراقبون: “لم يصمد الحزب في هذه الحرب التي بدأت من غزة، ولم يستطع ايقافها في غزة قبل لبنان عندما رفض فصل جبهة الجنوب عن غزة، ورفع الراية البيضاء باكراً، ووقع على انسحابه الى ما وراء الليطاني وتسليم سلاحه، وأي حديث مغاير للواقع، هو لذر الرماد في العيون، ومهما حاول الشيخ نعيم قاسم رفع معنويات بيئته المنتفضة لا الحاضنة، لا يستطيع تشويه الواقع الذي يؤكد ان مشروع ايران سقط، وسقط معه “الحزب”.
داخلياً، انهى الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نواف سلام مشاوراته، واستشاراته غير الملزمة مع الكتل النيابية، والتقى رئيس الجمهورية جوزيف عون لوضع التصوّر الأولي لشكل الحكومة التي ستكون من 24 وزيراً، وبحسب المعطيات التي رافقت الاستشارات، يبدو ان تشكيل الحكومة سيكون سريعاً من دون أي عوائق حتى هذه اللحظة، ووتيرة التشكيل تدل على أن هناك دعماً عربياً ودولياً لن يسمح بأي عرقلة، وهذا واضح من خلال المواقف التي تصدر عن كافة المرجعيات والأحزاب التي تسهّل الطريق أمام الرئيس المكلف.
مقربون من سلام يؤكدون إصراره على المضي بتشكيل الحكومة من دون أي عراقيل حتى الآن، وأنه مرتاح كثيراً لمجريات التأليف والأجواء التي واكبت الاستشارات، وأنه لاقى تأييداً ودعماً من معظم الكتل النيابية التي التقاها، والجميع أكد له التعاون لانجاح الحكومة الأولى من عهد الرئيس جوزيف عون، وهذا الامر اعطاه دفعاً اضافياً لتشكيل الحكومة بأسرع وقت وربما هذا الأسبوع على أبعد تقدير، لأن الجميع متفق على العناوين العريضة التي وضعها سلام، وأن المرحلة تحتاج الى نخب وقدرات استثنائية وأشخاص يتمتعون بخبرة وشفافية لتنفيذ كافة الاصلاحات المطلوبة.
المقربون من سلام يضيفون عبر موقع القوات اللبنانية الالكتروني: “سلام مصمم على النجاح، واتخذ من الدستور نهجاً لتشكيل الحكومة بعيداً عن أي ضغوط، ولن يكون متساهلاً مع المعرقلين لأنه يتصرف وفقاً للدستور، وأي عرقلة ستعتبر مخالفة للدستور وسيسمي المعرقلين بالاسماء ولن يسمح بالفشل، لأن لبنان يعيش أزمات جمّة، ويجب النهوض به الامس قبل الغد، ولا يجوز بعد اليوم ان تكون الزبائنية والمحسوبيات وسيلة للحكم، بل الدستور والقانون، والكفاءة هي التي ستسود، والعمل الحكومي مشترك، أي كفريق منسجم يعي حجم المخاطر والمسؤوليات الملقاة على عاتق الحكومة العتيدة”.
يؤكد المقربون من سلام، أن الدعم الخارجي وخصوصاً العربي الذي رافق الانتخابات الرئاسية، ينسحب أيضاً على الحكومة التي ينوي سلام تشكيلها، فهناك دعم عربي لتسهيل العمل الحكومي في لبنان على الصعيد المادي والسياسي، وتقديم المساعدة اللازمة للحكومة المقبلة وانقاذ لبنان ووضعه على سكّة النهوض، وعودة المشاريع الاقتصادية والاستثمارات التي من شأنها ان تعيد ثقة المجتمعات العربية والغربية بلبنان، بعد غياب طويل للمستثمرين العرب عن لبنان.