
“جرّصنا كانون! طلع بالكاد بسين بدل ما يكون فحل الشتي”، يقول أهل الضيعة وهم يرمشون على خوفهم الشديد من الطقس الجاف، الزاحف عليهم وعلى مواسمهم. هل صار الثلج حلمًا في لبنان؟ وين الثلج يا كانون؟! ماذا يفعل أهل القرى عندما تبخل عليهم السماء بخيراتها؟ أنا بنت الضيعة وأنا أعرف ما يفعلون وما كانوا يفعلون. وعندما تسأل أحدهم يجيب فورًا “هادا غضب من ربنا”.
لا شك أنه الشتاء الاسوأ على الإطلاق منذ نحو 15 عامًا، إذ لم نشهد على شتاء قاحل كهذا. “يا لوز يا مجنون بتزهِر بكانون”، إذ معروف أن شجرة اللوز هي أول الأشجار التي تزهر ما إن يحل بعض من دفء في السماء، فهل حل الغضب على لبنان من السماء هذه المرة؟
“عن جد ربنا غضبان على لبنان” يقول أهل القرى تحديدًا! بلغة الضيعة نحن لا نزال في المربعانية، أي الفترة التي تبدأ بـ22 كانون الأول وتنتهي في 31 كانون الثاني، وهي بالعادة أكثر الفترات مطرًا وثلوجًا وعواصف.
“بالمربعانية يا بتحرِق يا بتغرِق. يا شمس تحرق يا مطر يغرق” يقولون، أي لا حلول وسط، إما أمطار طوفانية وخيرات تغرق الأرض بالنعم، وإما شمس تحرق كما هو حاصل هذه السنة. ما يعني أن لا أمثال شعبية عتيقة خاطئة، وأهل القرى في لبنان يعيشون أزماتهم غير عن أهل المدن، خصوصًا أن الكثير من تلك القرى ما زالوا يلجأون الى عادات وتقاليد لبنانية عتيقة، يجدونها أحيانًا ملاذهم الأخير.
في الضيعة وبعز كانون لا زلنا “نتشمّس” على الفيراندا، ومع كل طلعة شمس يردد الأهالي تلك الطلبة العتيقة الموجهة للعذراء مريم “يا أم الغيض غيضينا وشتي بأراضينا، شتي بأراضي الزرع تـ يكبر وينشينا”، وأكثر من ذلك، لا يتردد أهالي القرى من استعادة تقليد قديم جدًا كانوا يقومون به حين يقرع الخطر أبواب الضيعة، والخطر هنا إما المرض، أو الحريق، أو انحباس المطر، والتقليد يقضي بتزنير الكنيسة، إذ يعمد الأهالي الى لملمة مناديل النساء وكفافي الرجال وربطها ببعضها البعض لتصبح كسلسلة واحدة، تزنر فيها الكنيسة من الاتجاهات كافة، ويبدأ الاهالي بقرع الأجراس، والأبونا مع الأهالي عند باب الكنيسة، يبارك المناديل ويتلو صلوات خاصة بالمطر، وتبقى الكنيسة مزنّرة الى حين تمطر.
تقليد يُتَّبع أيضًا في حال المرض، ومعروف أن يوم اجتاح الطاعون لبنان في خلال الحرب العالمية الأولى، اعتبر الناس أنه غضب ربانيّ، فزنّروا الكنائس في كل لبنان، وأيضًا عندما هجم الجراد على البلاد في زمن الأربعينيات والتهم الأخضر واليابس، زنّر لبنان كنائسه كافة، ويوم اجتاحت كورونا لبنان منذ نحو خمس سنوات، تزنّرت كنائس قرانا على نية النجاة من الوباء. هي إذًا عادة قديمة متجددة مع كل مصيبة لا نقوى على مواجهتها، وخصوصًا في حال انحباس المطر والجفاف، إذ يعتبر أهل الضيعة أنها مشكلة شخصية، إذ غالبية القرى تملك البساتين وتنتظر المواسم، “بس أنا أكيد إنو ربنا مش رح يتركنا وبيقبلشش تيبس مواسمنا” يقولون.
لا يقف الأمر عند تزنير الكنائس والصلاة، ولكن يصبح كل أهالي الضيعة خبراء في الطقس، وكل إشارة من الغيم أو حتى في اتجاه الهواء، يكون له معنى ورسالة، مثلًا منذ نحو أسبوع، سبحت غيمة متطاولة الشكل تمامًا فوق جبل الشيخ، في الضيعة لم يمر المشهد هيك مرور الكرام، إذ اعتبر العتاق فيها، أنها اشارة مباشرة على بداية وصول الشتاء “شفتي هالنونة أو الفطيرة فوق جبل الشيخ؟ هادا دليل انو الشتي جايي”! وتلك الغيمة التي اسمها “سمكة تولا” في شمال لبنان، وأيضًا “لازقا” في قرى البقاع، هي مرصد جوي بحد ذاته بالنسبة لأهل الضيعة المعتقين عمرًا وخبرة، ولما رأوها فرحوا جدًا إذ اعتبروا أن الطقس حتمًا سيتغير الى المطر، وأن العواصف آتية لا محال، وفي هذا المجال يخبر أهالي الضيعة عن رجل مسن كان يرصد الطقس بالفطرة، وكان ضرب لبنان جفاف قاتل بداية الثمانينات، فبدأ الأهالي يسألونه وهم في ذروة الخوف على مواسمهم من الجفاف الذي طال أمده حتى شباط، فنظر الى جبل الشيخ وصرخ “هيدي اللازقا فوق الشيخ مش عاديي الهيئة بدو يصير شي”، وفي اليوم التالي، ومن دون أي إشارة مسبقة، كان بلغ ارتفاع الثلج مترًا وغمر الأبواب. وفي علم الأرصاد في هذه الأيام، يقال إن تلك الغيمة السارحة، هي دليل على الرياح القوية العاصفة فوق جبل الشيخ، وعلى صراع الطقس بين الشمس والعواصف، علمًا أن الصراع بين مرصد العتاق ومرصد الجدد حتى اللحظة لم يحسم في هذا المجال، وما علينا سوى انتظار أن تعبر أيام الشمس القاتلة تلك، لنعرف ما إذا كان هناك عاصفة أم لا، وأي مرصد هو الأصح، مرصد جدي وستي الفطري، أم مرصد التكنولوجيا الحديثة؟!
وفي الكلام العلمي الذي لا يفهمه جدي ولا يريد أصلًا أن يفهمه لأنه لا يؤمن به أساسًا، “هيدا حكي فاضي يا جدي، ليلة من ليلاتو بتقضي كل حاجاتو” يقول، ولكن علماء الأرصاد الجوية الذين تكاثروا كالمطر الغائب عنا، يعتبرون أنه صراع المنخفضات، السيبيري السهيان يواجه الآزوري الوقح، وأن كل منخفض يحاول الوصول الى منطقة الشرق الأوسط يُخنق قبل وصوله، وصراع المرتفعات والمنخفضات، من المتوقع أن يستمر حتى بداية شباط، إذ يتوقع أن يحصل تغيير في المنظومة الجوية تدريجًا ووصول منخفض قطبي يحمل العواصف والثلوج، شو قولك جدي؟ “سلملي ع كانون البسين جدي، وع السيبيري السهيان وقوليلو يللي عند ربنا مش عند حدن جدي”… وأنا اؤمن بما يقوله جدي!
