
فيما يعاني البلد من تراكم الأزمات المولِّدة للجمود والركود، وفيما توقفت مؤسسات، بل قطاعات عديدة عن العمل أو تكاد، ينشط مصرف الإسكان في القيام بدوره وممارسة نشاطه على أكمل وجه، مدعومًا بثقة مانحي الأموال وطالبي القروض معًا. يسعى المصرف إلى تحقيق هدف تثبيت اللبناني في أرضه قبل هدف تحقيق الأرباح، ويعتمد منصة إلكترونية تقدَّم عبرها الطلبات منعًا للواسطة وتقديم المحاسيب على حساب المستحقين من المواطنين… ماذا يقول رئيس مجلس إدارة مدير عام مصرف الإسكان أنطوان حبيب في حديث لـ”المسيرة” عن آلية منح القروض والمشاريع المستقبلية؟
بدايةً ماذا عن مصرف الإسكان: تأسيسه، عمله، خططه…؟
تأسس مصرف الإسكان في العام 1977 في عهد رئيس الجمهورية الياس سركيس ورئيس الحكومة سليم الحص، حيث حصلا على قروض من الصندوق العربي وصندوق أبو ظبي على عدة مراحل. وفي العام 1993 قدم الصندوق العربي لمصرف الإسكان قرضًا بقيمة 110 ملايين دولار أميركي. وفي العام 2019 حصل المصرف على قرض بقيمة 50 مليون دينار كويتي، أي ما يعادل 165 مليون دولار. ومنذ العام 1977 حتى اليوم، كان مصرف لبنان وبعض المصارف التجارية تدعم مصرف الإسكان من وقت الى آخر بقروض تحفيزية لمنح القروض إلى ذوي الدخل المحدود والمتوسط من اللبنانيين. وعندما تسلّمت منصبي في العام 2022، كان القرض الأخير من الصندوق العربي بحكم الإلغاء لأنه لم يُستعمل. وبعد اجتماعات عدة أتى وفد من الصندوق العربي وأجرى تحقيقات إدارية ومالية في مصرف الإسكان، وأعاد القرض إلى المصرف، وهو القرض الذي أعدنا استخدامه ابتداء من أوائل أيلول باستقبال الطلبات.
كم تبلغ قيمة القرض بالنسبة للشرائح الاجتماعية المتوسطة أو المحدودة الدخل، وما هي شروط الحصول عليه؟
أولاً، وبعد الأزمة، القروض تحولت من الليرة اللبنانية الى الدولار الأميركي، وتبلغ قيمة القرض 50 ألف دولار لذوي الدخل المتوسط و40 ألفا لذوي الدخل المحدود، على أساس قرض للشراء وقرض للبناء وقرض للترميم. قرض الشراء يتم تسديده خلال فترة 20 سنة على أن تكون مساحة الشقة أقل من 120 مترًا مربعًا، وعلى ألّا يستفيد صاحب القرض من أي قرض مدعوم، ولا أن يكون مالكًا لأي شقة على جميع الأراضي اللبنانية، وأن يكون مدخوله ما بين 1000 – 1500 دولار لذوي الدخل المحدود و2000 دولار لذوي الدخل المتوسط. أما بخصوص البناء، فتُعتمَد المبالغ نفسها والفائدة نفسها وفترة استرحام سنتين بالنسبة للفائدة، لكن التسديد يكون خلال 12 سنة. أما بما خص الترميم فالمبلغ يصبح 40 ألف دولار مع عشر سنوات تسديد وبنفس الفائدة وفترة الاسترحام.
هل تجري الأمور في شكل سلس، أم أن موانع الخلل الإداري والوضع الأمني تعيق ذلك؟
المقترضون لا يستطيعون اليوم تأمين المستندات اللازمة من الدوائر العقارية للحصول على القروض. وتتضمن المستندات إفادة عقارية ورخصة سكن مع نظام ملكية وإفادة ارتفاق وتخطيط وبيان مساحة. لذلك نحن أنشأنا منصة إلكترونية من أجل تفادي كل الواسطات والضغوط التي تمارَس. وقد أصبح بمقدور أي لبناني من قلب مدينته وقريته ومنزله سواء أكان مقيمًا أو غير مقيم، أن يتقدَّم بطلب قرض، وفي حال استوفى كل الشروط عبر المنصة، يحصل عليه، ويتبلّغ عن لائحة السندات من أقرب فرع لمصرف الإسكان، وعندها لديه مهلة 45 يومًا ليقوم بتقديمها. وبالتالي إذا تم هذا الأمر يحصل على القرض المالي لشقته من دون مراجعة أي مرجعية سياسية أو عسكرية أو دينية في البلد، لأن هذا المواطن استطاع الحصول على القرض باستحقاقه الشخصي.
هل مبلغ الـ50 ألف دولار كافيًا؟
إن الـ50 ألف دولار اليوم غير كافية، إلا أن الأهم هو أن يبقى اللبناني في أرضه لأنه حين يتركها يأتي الغريب ليسكنها. لذلك فإن مبلغ الـ40 أو الـ50 ألف دولار سيساهم في شراء أو بناء أو ترميم المنازل، أيًا كانت مساحتها. وسيساهم الأمر بتمسك اللبناني بأرضه، حتى لو بدأ من خلال مبلغ 40 ألف دولار. وهناك اتصالات تجري مع الصناديق العربية، مثل صندوق أبو ظبي للتنمية والصندوق الكويتي وقريبًا القطري، بهدف الحصول على قروض تعطى لذوي الدخل المحدود حصرًا، على ألّا يتم إعطاؤها لمن يتخطى مدخوله الـ2000 دولار. لكن الأهم ألّا يتوجّه اللبنانيون الذين ينوون الحصول على قروض، الى الوساطات ولا الى “الدعم” لأن هذا الأمر لن يقدّم ولا يؤخر. من يستوفي الشروط يحصل على القرض.
هل من إمكانية عملية لإعطاء القروض لكل من استوفى الشروط؟
هذا نظام يملكه القطاع الخاص بنسبة 80 في المئة و20 في المئة للقطاع العام. نحن لسنا وزارة الشؤون الاجتماعية ولا وزارة الإسكان سابقًا. هناك حرص على مساعدة ذوي الدخل المحدود والمتوسط، وكذلك ذوي الاحتياجات الخاصة الذين فتحنا بابًا خاصًا لهم. لذلك أنا لا أحل مكان الدولة بل أعمل للمساعدة في حل هذا الموضوع، وأبديت الاستعداد لإعادة إعمار لبنان بعد الدمار الذي تسببت به الحرب الأخيرة في حال طُلِب مني ذلك، لكون مصرف الإسكان هو المصرف الوحيد الذي يُقدِّم اليوم قروضًا سكنية، وليس لدي مودعون ليطالبوا بودائعهم بل قروض من الصناديق العربية بالدولار.
المصرف استشار رئيسة هيئة التشريع والاستشارات التي قدمت لنا استشارة قانونية عن إمكانية استخدام حسابات في مصارف خارج لبنان من أجل تأمين القروض. وبالتالي يقوم المقترض بالتسديد لتلك المصارف الخارجية، وإذا تخلّف عن الدفع سأكون مضطرًا للدفع عنه، لكن في المقابل هناك رهن وبالتالي لا قروض من دون ضمانات عينية أو كفالات مالية أو شخصية.
هل يُمكن تنفيذ تلك الضمانات في حال تخلّف المقترض عن الدفع، وما هي الإجراءات التي سيتخذها المصرف في تلك الحالة، خصوصًا أن الظروف غير مستقرّة؟
العقد الذي يوقعه المقترض يمنحه مهلة 7 سنوات للمباشرة بالدفع. عندما يعطيني الصندوق العربي مبلغًا ما أعطيه أنا في المقابل كفالة من عندي، ولجنة التسليف سواء في مصرف الإسكان أو الصندوق العربي تنظر في الطلبات. يتم السؤال عن كل مقترض وما إذا كانت لديه إشكاليات في المصارف، وبالتالي لا نعطي القرض لكل من يقدم طلبًا أو يكون على استعداد لتقديم رهن. القروض خاضعة لشروط معينة، ولا قروض إلا بعد تأمين ضمانات عينية. نحن نتصرّف بإيجابية ولكن بأمان، وبالرغم من أن أي عمل نقوم به فيه مخاطرة، إلا أن هذا الأمر يجب أن يكون محسوبًا. فإذا كان الرهن لا يكفي، عليَّ أن أطلب ضمانة أخرى. وهناك أيضًا بوالص تأمين تشمل البوالص الشخصية وضد الحريق وغيرها، وكل الاحتياطات اللازمة متخذة. ولكن على الرّغم من كل المخاطر التي قد تتأتى من الإقراض في هذه الظروف كعدم تسديد البعض لقروضهم، إلا أن هدفنا من هذا العمل إبقاء اللبناني في أرضه.
كيف تصف نسبة الإقبال على طلبات القروض؟
حتّى الآن هناك حوالى 26 ألف شخص زاروا الموقع الإلكتروني للمصرف، 6 آلاف منهم قاموا بتعبئة الطلبات، و3 آلاف استوفوا الشروط، وهناك حوالى الألف سيحصلون على القروض. وكلما استخدمنا دفعة تأتينا من الصندوق نقوم بطلب مبالغ إضافية. فعندما كانت المعارك دائرة في الجنوب والقصف يستهدف بيروت كان هذا الصندوق يؤمّن القروض لمصرف الإسكان، وهذا دليل على الثقة الكبيرة بهذا المصرف. الصندوق العربي يعطينا القروض بناء على الصلاحية وثقتة الكبيرة بنا، فلماذا لا يكون لنا ثقة باللبناني؟
هل هناك من مضاربة أو منافسة بين مصرف الإسكان والمؤسسة العامة للإسكان؟
المؤسسة العامة هي مؤسسة حكومية، تختلف شروطها عن شروط القطاع الخاص. قد تكون هناك بعض الشروط المشتركة، لكن لا توجد علاقة بين المصرف والمؤسسة. أتمنى لو تبدأ المؤسسة والمصارف التجارية بالعودة إلى منح القروض السكنية، فنحن نكمل بعضنا البعض، ولكن عدم إعطائهم للقروض أمر يخصّهم.
ماذا عن المشاريع المستقبلية للمصرف؟
هناك مشاريع جديدة، إذ يتم البحث معنا بإعادة إعمار لبنان من خلال الصناديق العربية ومن خلال الصناديق الأوروبية والأممية. مؤتمر باريس أقرّ مبلغًا يفوق المليار دولار، قسم منه سيكون مخصّصًا للإسكان. المصرف مجهّز ولديه كل الإمكانات اللوجستية اللازمة لمساعدة المؤسسات الأممية والوطنية والعربية والأوروبية وغيرها للقيام بإعادة الإعمار وإعطاء القروض السكنية. والمصرف منفتح على هذا الموضوع في حال طُلِب منه، ونحن نأمل المشاركة في إعادة إعمار البلد، وهذه مهمة وطنية. نحن على استعداد في موضوع القروض، أما لجهة الهبات فهي من مسؤولية دوائر الدولة. وقد نجحنا في موضوع القروض بعد تقديمنا أكثر من 50 ألف قرض منذ تأسيس المصرف.
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” ـ العدد 1760
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]