#adsense

ذهنية الهمجية (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

قيل: “التاريخ يعيد نفسه”، ولطالما أثبتت الأحداث صحة هذا القول، ولا أقول صوابيته، فالتجانس في سلوك القادة، أو في المجريات المتعاقبة عبر الزمن، يحصل، والشواهد التي تؤكده لا تحصى. فليس من شك، على سبيل المثال، في التماهي بالوطن، وحمل مشروع الدولة، بين فخر الدين الثاني الكبير، وبشير الجميل الكبير، أيضا. وليس من شك، في التقاطع بين الانتداب العثماني، في مسألة جرائم سفر برلك، والانتداب السوري، في جرائم الخطف والتصفيات، أو جرائم الوصاية الإيرانية في تدمير لبنان، وتدفيعه ضحايا من أهله…

أما لماذا تم التطرق الى القول الآنف الذكر، فذلك يعود الى سلوك شريعة الغاب لما يسمى بالممانعة، إن في قضية تأليف الحكومة العتيدة، وإن في العراضات الاستقوائية المرفوضة في مناطق سيادية آمنة، وكأن الممانعين لم يتعلموا شيئا من الأحداث التي شلعتهم، وفضحت ادعاءاتهم، وأجهزت على قواعدهم، وأزهقت كثيرين منهم، فعادوا، مجددا، الى لغة الاستقواء، والمكابرة، والى نغمة التهديد، وفرض الشروط، والى موسم المواجهة مع الداخل والخارج، إن من على الشاشات ووسائل التواصل، وإن، أيضا، على الأرض، ما ينذر بإجهاض التفاؤل الآني الذي تنفسه الناس بانتخاب رئيس للبلاد، وبانتظار تأليف للحكومة.

في العهود التي كانت، وحتى آخر نموذج غير مأسوف على رحيل عوراته، فرض على البلاد والعباد، خليط استبدادي من ميليشيا أطبقت، بمشروعها الانقلابي، على الدولة، فشلت السلطة، وأجهزت على الهيكل المنظم للوطن، وانتهكت المقدرات بالفساد والسلبطة… ناهيكم عن موجة الاغتيالات، وخطط التفليس، والتهجير…وقد تمادى أصحاب الأهداف الملتبسة، في تغيير صورة الوطن، وفي ترسيخ طلاق مع مشروع الدولة، وفي نحر الدستور، متمترسين خلف سلاح غير شرعي، وخلف مواقع رسمية صادروها بالقوة. وها هم، اليوم، يعمدون الى إحياء عظامهم وهي رميم، بخطب هوائية، وبتصرفات استفزازية، متناسين أنهم أسهموا، بتلازمهم مع ثقافة الموت، وبأوهامهم المتمادية، في زج البلاد في أتون الكوارث، والنكبات، والحروب العبثية، ما أنتج، في بنية الدولة، وفي آمال الناس، ضررا تشويهيا قاتلا، إصلاحه يستوجب احترافا رياديا، واندفاعا وطنيا رذاذه لا يمكن أن يبلل أمخاخ الهمج.

أما الأدهى فيظهر في إسفاف متسولي الفهم، ومدعي البطولات الخنفشارية، والانتصارات المزيفة، في انقضاضهم المستشري على أمان الوطن، وفي ادعائهم حماية البلاد، وهم مشكلتها. وإذا كان لبنان لا يزال معرضا للمخاطر، فلأن السلاح خارج الأطر الشرعية لم يسمح، بعد، بخروج الوطن من عنق الأزمة، ولأن أصحاب المشروع المشبوه، مشعلي الحرب التي طمر وحلها البلاد، والتي ضيعت جواز مرور الناس الى الاطمئنان بالأمان، لم ينفذوا، بعد، مندرجات قرار وقف إطلاق النار، تحت ذرائع واهية مرفوضة.

واستنادا، فإن تدحرج الأحداث يفرض على رئيسي الجمهورية والحكومة، أن يغتنما الفرصة اليتيمة المتاحة للوطن، ويشكلا حكومة ذات مواصفات وطنية، يكون لأعضائها حضور موصوف في ممارسة السلطة، تبعا لمنطوق الدستور والقوانين النافذة، ويأخذون على محمل الجد قلق المواطنين، ويعملون لخدمة الوطن، ولا يعطون صكوك براءة للذين احتكموا الى القهر والهيمنة، ومصادرة قرار بلاد زجوها في دائرة النار.

من هنا، لن نقبل بأسباب تخفيفية لمن كانوا سببا في انهيار الدولة، وفي دمار البلد، وشكلوا، بسلوكهم، شوك الزمن الرديء. وإلا سوف نرغم على تكرار السؤال: أيتها الدولة، أو ما تبقى منك، متى تبدأ إعادة إعمار وجودك السيد؟

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل