#adsense

أسهم الممانعة الى غير عودة.. التحوّل الكبير!

حجم الخط

دخل لبنان في مرحلة وطنية جديدة تختلف عن المراحل السابقة كلها، لأن التغيير الذي حصل يتجاوز إعادة إنتاج سلطة سياسية بعد شغور طويل، إلى تغيير في ميزان القوى المحلي والخارجي، ولولا التحوّل الكبير في المنطقة لكانت السلطة مهما بلغ شأن التزامها بالدستور عاجزة عن إرساء قواعد دولة فعلية في ظل مشروع إقليمي أقوى من قدرة القوى المحلية على فرض إيقاع الدولة ودورها.

شهد لبنان في الفترة الأخيرة ثلاثة تطوّرات كبرى:

التطوّر الأول انتهاء المشروع العسكري الإيراني في لبنان وسوريا، وهذا تطوّر تاريخي سيعيد خلط الأوراق ليس فقط في بيروت ودمشق، إنما في المنطقة كلها، خصوصًا أن مفاعيل عملية 7 أكتوبر لن تنتهي قبل أن تُحسم الجولة النهائية من المواجهة بين نتنياهو والخامنئي، ما يعني أن المنطقة أمام شرق أوسط جديد من دون نظام الأسد ولا الدور الإيراني الذي بدأ في العام 1979 وتوسّع مع إسقاط نظام صدام حسين في العام 2003.

وبمعزل عن أدوار اللاعبين الإقليميين الجدد، إلا أن لبنان من أكثر المستفيدين من سقوط الأسد وانتهاء الدور الإيراني، لأنهما شكلا الحاجز أمام قيام الدولة والخروج من الفوضى وترسيخ الاستقرار، وللمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن يتخلّص لبنان من الأدوار الإقليمية التوسعية التي حولته إلى ساحة مستباحة، ويقف أمام فرصة تاريخية لقيام دولة فعلية وطبيعية.

التطوّر الثاني إعادة إنتاج سلطة لا تأثير لنظامي الأسد والخامنئي بإنتاجها، وبالتالي للمرة الأولى منذ 34 عامًا تتحرّر السلطة اللبنانية من سطوة حزب البعث والحرس الثوري، فلا معادلات خشبية تبدأ من “وحدة المسار والمصير” وتنتهي بـ”جيش وشعب ومقاومة” وما بينهما “شعب واحد في دولتين”، ولا مصطلحات فضفاضة ورنانة من قبيل المقاومة والصمود والتصدّي والانتصارات الإلهية والشعب الذي لا يُهزم، إنما التزام تام ودقيق بالدولة والدستور والقوانين.

والسلطة الجديدة التي لا تبدّي أولوية على الأولوية اللبنانية، أمامها فرصة نادرة للإنجاز والتحقيق بسبب انتهاء السطوة الأسدية والخامنئية، وبفعل ارتكازها على أغلبية لبنانية تريد الانتقال فورًا من لبنان الساحة إلى لبنان الوطن والدولة، وارتكازها أيضًا على قرار دولي وعربي يريد منع إيران من إعادة إلحاق لبنان بمشروعها التوسعي.

التطوّر الثالث الدخول الدولي والعربي بقوة إلى لبنان لتعبئة الفراغ الإيراني، وهذا الدخول لم يكن ليحصل لولا 7 أكتوبر الذي فعل فعله، حيث إن عواصم القرار الغربية والعربية لم تكن في وارد الدخول في حرب لإخراج الدور العسكري الإيراني من لبنان، إنما كانت تنتظر رياح التطوّرات من باب المفاوضات النووية مع طهران، ولكن جاء الطوفان ليقلب الطاولة رأسا على عقب، فوجدت عواصم القرار الفرصة للعودة الفورية وتوفير الدعم المالي والسياسي بهدف إنهاء الأزمة اللبنانية التي شغلت المجتمع الدولي طويلاً، إذ في كل مرة كانت تنضج الظروف لإنهاء هذه الأزمة يتم الانقلاب عليها، ولكن هذه المرة مختلفة تمامًا لأن المشروع الذي كان يُبقي لبنان ساحة جذوره إقليمية، وقد انتهى من جذوره.

فالوضع اللبناني اليوم يمثِّل النسخة المعاكسة لمشهد العام 1990 وليس لمشهد العام 2005، حيث إن التحول مع خروج جيش الأسد كان جزئيًا، فيما التحوّل مع وضع يد الأسد في مطلع تسعينات القرن الماضي كان كليًا، والتحوّل اليوم مع رفع يدّ الخامنئي عن لبنان هو تحوّل كلّي على غرار العام 1990 ولكن بشكل معاكس، وبالتالي المشروع الإقليمي الممانع الذي استوطن لبنان بعد العام 1990 خرج منه نهائيًا بعد سقوط نظام الأسد، ومفاعيل هذا الخروج ستظهر تباعًا، وأولى نتائجها إنتاج سلطة لا أسهم فيها للممانعة بفرعها المحلي.

ففي مرحلة ما قبل الطوفان مثلاً كان “الحزب” يراكم كل يوم قوة إضافية عن اليوم الذي سبقه، وفي مرحلة ما بعد انتهاء الحرب وسقوط الأسد أصبح يراكم كل يوم خسارة إضافية عن اليوم الذي سبقه، لأن مشروعه في لبنان والمنطقة يسير نحو الخلف، ومشروع الدولة يسير إلى الأمام.

وقوة “الحزب” لم تكن متأتية من سلاحه وصواريخه خلافاً للانطباع لدى البعض، إنما من مشروع الممانعة الإقليمي برأسيه الأسد والخامنئي، ومع سقوط الأول ومحاصرة الثاني وتدمير قوة الحزب ومحاصرته أيضًا بين مشروع دولة في الداخل، وبين إسرائيل من جهة، وسوريا الجديدة التي تعادي إيران من جهة أخرى، فإن هذا المشروع انتهى إلى غير رجعة، خصوصًا أن الخطر هو من الخارج باتجاه الداخل، والخارج انتقل من مهدِّد لاستقرار لبنان، إلى ضامن لهذا الاستقرار، كما أن لبنان حُكِم في العقود الثلاثة الأخيرة من دمشق وطهران، وهناك فرصة لأن يُحكم اليوم من الداخل بدعم من الشرعيتين العربية والدولية.

وأفضل توصيف للممانعة بفرعها المحلي هو الراديو في السيارة التي تحطمّت وتعطلّت بعد حادث سير كبير ولم يبق منها سوى صوت الراديو، وهذا التوصيف ليس للسخرية ولا الاستفزاز، إنما لوصف واقع الحال على ما هو عليه، لأن خروج إيران من سوريا يعني خروجها من لبنان، ولأن طهران انتقلت من المدّ قبل الطوفان للسيطرة على المزيد من العواصم العربية، إلى الجزر الذي من غير المعروف بعد ما إذا كان سيطيح بنظام الولي الفقيه في حال لم يستسلم ويبدِّل في دوره.

فالمشروع الممانع انتهى في المنطقة برمتها، والنظام الإيراني مخيّر بين السقوط أو تغيير دوره المزعزع لاستقرار الدول في المنطقة، وعندما ينتهي في المنطقة يعني أنه انتهى في لبنان، والأنظار ستبقى مركّزة في المرحلة المقبلة على التطوّرات الخارجية، خصوصًا مع سياسات ترامب وسعيه في ولايته الثانية إلى إنهاء المسألة الإيرانية، وتصميم نتنياهو على عدم إقفال صفحة الطوفان قبل إسقاط النظام الإيراني بالضربة القاضية، ومواصلة أحمد الشرع تحصين الوضع في سوريا، ومصير السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، واستطرادًا الدول العربية التي لم تطبِّع بعد، وترقُّب الأدوار الإقليمية التي ستبرز مع أفول الدور الإيراني، ومستقبل الوضع في لبنان في خضم هذه الصورة كلها (…).

ولا شك أن الفريق الممانع سيواصل سعيه إلى الحد من خسائره التي لا تعوّض مع انهيار مشروعه الإقليمي وسقوط مشروعه المسلّح، ومن الصعوبة أن يتكيّف قريبًا مع المعطيات الجديدة، ومن المتوقّع أن يُبقي على خطابه وأدبياته بانتظار أن يُحسم الصراع بين ترامب ونتنياهو من جهة، والخامنئي من جهة أخرى، لأنه لن يسلِّم بانتهاء مشروعه، حتى لو انتهى عمليًا، قبل أن تحسم مرجعيته الإيرانية التوجُّه الذي ستعتمده، وبالتوازي تراكم السلطة الجديدة المزيد من الخطوات التي تعزِّز حضور الدولة ودورها مستفيدة من انهيار المشروع الإقليمي الممانع ومن الدعم الخارجي والحاضنة الداخلية.

والأجندة الداخلية ستكون موزعة بين ثلاثة عناوين كبرى:

العنوان الأول سيادي بامتياز، فالمسار الذي كان يجب أن ينطلق في تسعينات القرن الماضي ولم ينطلق بفعل تقاسم النفوذ الأسدي والخامنئي، فإنه سيسير بخطى ثابتة لبسط سيادة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية تطبيقاً لاتفاق الطائف والقرارات الدولية 1559، 1680 و1701.

العنوان الثاني مالي بامتياز، حيث إن الدعم الخليجي وتحديدًا السعودي سيُترجم بضخ الأموال في شرايين الدولة اللبنانية التي ستطوي صفحة الانهيار، وسيشكّل الاستقرار السياسي والأمني عاملاً مساعدًا للاستقرار المالي.

العنوان الثالث إصلاحي بامتياز مع الورشة التي تنتظرها الدولة على المستويات كافة القضائية والمالية والإدارية، والتهيئة للاستحقاقات البلدية والنيابية، وصولاً إلى الحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية حول التركيبة الأفضل للبنان التعددي بعيدًا عن الأيديولوجيات والموروثات والعقد والعقائد، لأن فلسفة التعدُّد بحاجة إلى تركيبة جديدة تطمئن المجموعات والأفراد، وتعيد هندسة لبنان للقرن الجديد على قواعد راسخة وثابتة خلافاً للقرن المنصرم.

 

كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1761

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل