
يحكى الكثير عن امتعاض عواصم القرار من التعطيل الذي يٌمارس في عملية تأليف الحكومة والضغوط التي ترافق التشكيل نتيجة اعتبار الثنائي الشيعي أن حقيبة المالية مُكرسة للطائفة الشيعية بإعتبارها تحمل التوقيع الثالث، خصوصاً أن التوقيع يجب ان يكون من أجل تسهيل عمل الحكومة واستعماله كتوقيع يخدم مصلحة الدولة فقط لا طائفة معينة، لأن الدول التي تريد مساعدة لبنان ومدت يدها مجدداً لإنقاذه، لا تنظر من منظار الطائفية والمحاصصة والمحسوبيات، وما يهمها هو تحقيق الشفافية والانتهاء من منظومة الفساد والأساليب التي كانت سائدة.
الإجماع العربي بدعم لبنان، يقابله إصرار أميركي بضرورة مساعدة لبنان من خلال الجيش اللبناني، على ان يترافق ذلك مع ما ستقوم به الدول العربية والدول المانحة التي تحشد له باريس، فالعواصم المؤثرة كواشنطن، ممتعضة من التعطيل القائم ولن ترضى به ليس من باب التدخل في الشؤون اللبنانية كما تقول مصادر مقربة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل لأن الدول مهتمة بانقاذ لبنان، في حين أن هناك من يحاول إعادة إحياء الفساد من جديد، والتمسك ببعض الوزارات وخصوصاً المالية، من أجل عرقلة مسيرة نهوض لبنان.
المصادر تعتبر عبر موقع القوات اللبنانية أن الرسالة الأميركية وصلت، وهي لا تستطيع المساعدة في حال شعرت بأن الوجوه التي لها علاقة بمرحلة الفساد التي أنهكت الدولة في لبنان، ستعود من جديد أو سيكون لها دوراً في المرحلة المقبلة، لأن هذا سيعرّض لبنان برمته إلى أزمة من جديد، وسيفرمل المساعدات التي تسعى إليها الدول الصديقة للبنان، فلا أحد يساعد أشخاصاً فاسدين أو لهم علاقة مباشرة بالانهيار المالي الذي طاول لبنان، خصوصاً أن الفريق المعرقل معروف، وأهدافه واضحة وهو يريد الإستئثار والتمسك بعنق الدولة من أجل تحسين شروطه وإبقاء القديم على قدمه.
تشدد المصادر على أن واشنطن تريد ان تكون مفاصل الدولة اللبنانية في يد أشخاص يتمتعون بدرجة عالية من الشفافية والكفاءة، وأيديهم غير ملوثة بالفساد، وأن يكونوا على درجة عالية من المسؤولية بعيداً عن أي أهداف طائفية ضيقة، فلبنان دخل مرحلة جديدة، ويجب أن تدار شؤونه بطريقة مختلفة تماماً عن السابق.
توازياً، يصر الثنائي الشيعي عند كل استحقاق دستوري على تفسير الدستور وفقاً لما تمليه مصالحهم الضيقية واهدافهم السياسية، فيملؤون الصحف بمقاربات بعيدة عن الدستور، ويصنعون من الاعراف دستوراً، وينسبون للطائف تأويلات ليست في مكانها، فالدستور واضح، توزع المناصب العليا في الدولة على أساس طائفي، بحيث يتولى المسيحيون رئاسة الجمهورية، فيما يحصل السنة على رئاسة الحكومة، ويؤول منصب رئيس مجلس النواب إلى الطائفة الشيعية، لكن لا توجد أيّ إشارة على أن تكون حقيبة المالية من نصيب الشيعة او أي طائفة أخرى لأن في ذلك إطاحة واضحة بمنطق المداورة.
تسأل مصادر مراقبة عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، لماذا الإصرار على المالية؟ لأن التمسك بحقيبة المالية له دوافعه التي تتجاوز الدور التنفيذي الذي تضطلع به الوزارة، ويشكل جزءاً من إستراتيجية أوسع تهدف إلى حماية مصالح سياسية ومالية، وضمان التحكم في الملفات الحساسة داخل الدولة اللبنانية.
ترفض المصادر المراقبة أن يكون هناك أي احتكار من الثنائي الشيعي لحقيبة المالية، وأي طائفة تريد احتكار الحقائب الأخرى، لأن بات الإحتكار بدعة دستورية، هدفها المشاركة في توقيع القوانين والمراسيم ذات الصلة، إلى جانب كل من رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والوزير المختص، كما أن الحديث عن أنه تم الاتفاق في الطائف على أن تكون وزارة المالية من نصيب الشيعة، لا سند له، والدليل أن الحقيبة لم تكن من نصيب هذا المكون في الحكومة التي أعقبت الاتفاق.
تضيف المصادر: “خلال تسعينات القرن الماضي وحتى العام 2014 كانت وزارة المال في معظم الوقت بيد الطائفة السنية، لكن الوضع اختلف منذ العام 2014، حيث نجح الثنائي في احتكار الوزارة، بعد عملية محاصصة للوزارات تمّت بين مكونات فريق 8 آذار ومن ضمنهم التيار الوطني الحر الذي أبرم مع الحزب اتفاق مار مخايل”.
وسط هذا الإصرار الذي من غير المعلوم كيف سينتهي، تشير المصادر إلى أن الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نواف سلام، بات امام خيارين، إما التجاوب مع مطالب الثنائي الشيعي الذي يتيح له تشكيل الحكومة بالرغم من اعلان تمسكه بالدستور، وفي هذه الحال يؤدي ذلك إلى امتعاض سعودي وخليجي ودولي كما إلى خسارة الدعم الخارجي للبنان، أو قلب الطاولة واعطاء 4 حقائب للثنائي، وإسناد حقيبة المالية إلى شخصية شيعية من خارج الثنائي الشيعي، وإبطال مفاعيل التعطيل في حال قرر الثنائي أمل والحزب الخروج من الحكومة في أي لحظة.