أكرم القزح واليوم الأخير.. الأبطال لا يسقطون

حجم الخط

لم يكن استشهاد النقيب في التراتبية الرسمية في “القوات اللبنانية” أكرم القزح عشية 31 كانون الثاني 1990 مجرد صدفة، بل كان لحظة فارقة تجسّد روح الإصرار والمثابرة التي تميّز بها. وسط الصراعات السياسية والعسكرية المحتدمة آنذاك، أدرك أكرم حجم المسؤولية التي يتحملها كقائد في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان.

في ذكرى استشهاده، نستعيد صورة القائد الذي وهب حياته لقضيته، حاملاً الإيمان على كتفيه والوفاء في قلبه. لم يكن مجرد مقاوم في ساحات الشرف، بل رجلًا اختار الصفوف الأمامية، مدافعًا عن أرضه وأهله بروحٍ لا تعرف التراجع. لم يكن مجرد قائد، بل كان قلبًا ينبض بالشجاعة وروح المبادرة، ويدًا تمتد دائمًا للرفاق.

في ذلك اليوم، لم يكن يعلم أن نظرته الأخيرة للعالم ستكون وسط أزيز الرصاص ودوي القذائف. أصابته شظية قاتلة في رقبته، وسالت دماؤه على الأرض التي أحبها كأنه يهمس لها: “خذيني، فأنا لكِ”.

يحكي رفاقه أنه على الرغم من معاناته من الحمى، أصرّ على قيادة وحدته في مهمة قتالية أخيرة، رافضًا البقاء في السرير ليتعافى، قائلاً:ر” نحن نواجه الإبادة، وتريدني أن أبقى في السرير؟ مستحيل! لا شيء سيمنعني من المشاركة في هذه المعركة. سأكون معكم كما دائمًا، وهذه هي الأوامر”.

وأكمل: “يمكن عم يحضروا ضربة للقوات، بدنا نكون جاهزين ونشتغل بحرفية ومناقبية، يمكن يموت منا مية أو ميتين أو يمكن ما يصير شي. نحنا وجدنا لحتى نحمي لبنان، وأسوَأ حالة وقعنا فيها هي إنو نحمي لبنان من يلي مفروض هو يحمينا. حطو براسكن إنو وقت بيرجع جيشنا لمهمتو الطبيعية نحنا منرجع عبيوتنا. الانضباط والحرفية مطلوبين منكم والله يكون معكم”.

قاد فرقة الصدم في معركة شرسة في نهر إبراهيم، وكانت قد تحركت الفرقة عبر طريق جبلي للوصول إلى ثكنة “القوات” المحاصرة، والتقت بفصيلين آخرين لتعزيز الهجوم. فواجهوا نيرانًا كثيفة ووابل من القذائف والرصاص عند نقطة الهجوم، لكن أكرم قاد عملية التفاف ناجحة، مما أجبر المهاجمين على التراجع. وعند الاقتراب من الثكنة، تم تدمير دبابة معادية، لكن فجأة وأثناء الهجوم، أصيب أكرم بشظية اخترقت درعه الواقية. اعتقد رفاقه في البداية أنه انهار من التعب، لكنهم سرعان ما أدركوا الحقيقة عندما رأوه مطروحاً على الأرض. وكانت رسالتهم عبر جهاز الاتصال: “الكبير انصاب، الكبير انصاب”.

عندما تم إخلاء أكرم من أرض المعركة، كان لا يزال بكامل وعيه وقواه العقلية والجسدية، على الرغم من إصابته بالجرح في رقبته. لم يكن هناك مستشفى قريب يمكن الوصول إليه بسهولة، إذ كانت الطرقات في بداية الحرب مغلقة وخطرة، مما جعل السبيل الوحيد الآمن هو مستشفى الحاج في عشقوت، التي تبعد أكثر من ساعة عن مكان إصابته في نهر إبراهيم.

بدأ يعاني من ضيق في التنفس، إذ تسببت الإصابة في قطع أحد أوردة الرقبة، مما أدى إلى نزيف داخلي، بينما تقلص الشريان المغذي للرأس داخل الجسم. ومع إحساسه بفقدان السيطرة على وعيه، وجّه آخر كلماته إلى رفاقه المرافقين في الآلية العسكرية التي تمّ الاخلاء بواسطتها قائلًا: “انتبهوا لبعضكم، لا تتراجعوا، أكملوا ما طُلب منكم… انتبهوا لبعضكم.”  ثم غاب عن الوعي.

ومع كل محاولات إسعافه، رفض أن يسلم الروح إلا بعد أن عاد إلى محبوبته: ثكنته في دلبتا. هناك، فارق الحياة، فيما أكمل رفاقه المعركة وانتصروا كما علّمهم دائمًا: “ممنوع ننصدم أو نخاف، منتلقى الضربات القاسية، وعلينا نواجه بحزم وقوة لننتصر، وبعدها فينا نزعل…”

رحل “أبو موسى”، العازب الذي لم يتزوج إلا “القوات اللبنانية”، تاركًا وراءه أمًّا تنتظره بلهفة، أعدّت له الطعام، لكنها لم تسمع صوته، ولم يُفتح الباب، ولم يرن الهاتف. رحل أكرم، تاركًا صمتًا موجعًا، وخطوات لن تُسمع بعد اليوم، وضحكة انطفأت في قلوب من أحبوه.

لم يكن أكرم القزح مجرد قائد عسكري صارم، بل كان قدوة ومثالًا في القيادة والشجاعة والانضباط. كان يرفض الجبن والتخاذل، ويحثّ رفاقه على أن يكونوا أقوياء، لا يخافون أي قوة مهما عظمت. لكنه في الوقت نفسه كان يحمل قلبًا كبيرًا، يعامل رفاقه بحب وعدالة من دون تمييز أو محاباة.

كان قريبًا منهم، لا يفصل نفسه عنهم، يعيش بينهم، ويتشارك معهم كل شيء، من تعب القتال إلى لحظات الفرح البسيطة. كان قليل الكلام، يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، لكنه كان شديد التأثير. لم يكن يحتاج إلى الكثير من الكلمات ليفرض حضوره أو ليكسب احترام رفاقه، فقد كانت أفعاله تتحدث عنه.

على عكس العديد من المسؤولين الذين يعتمدون على المناصب والقوة، كان أكرم يؤمن بأن القائد الحقيقي هو الذي يرفع من مستوى الفريق، ويعزز من قوتهم الداخلية وعزيمتهم قبل أن يقوي أجسادهم. كان يرى أن القوة الحقيقية ليست في السلاح فقط، بل في الإيمان بالمبدأ، والثبات في وجه التحديات.

المقاتلون الحقيقيون، مثل أكرم أناس يملكون عزيمة فولاذية، وقرارًا لا يلين تحت أصعب الظروف. هم أبطال يعملون بلا تردد للدفاع عن وطنهم، لكنهم في الوقت نفسه يعيشون مع ضغوطهم، وأحلامهم، وآلامهم التي لا يعرفها الكثيرون.

أكرم القزح لم يكن مجرد اسم في قائمة الشهداء، بل كان روحًا ملهمة، وقصة نضالٍ ستظل تُروى. كان يوازن بين الحزم والإنسانية، بين القوة والتواضع، وكان مثالًا للقائد الذي لا يطلب من رفاقه شيئًا إلا وفعله بنفسه.

اليوم، على الرغم من رحيله، يبقى صدى كلماته في أذهان من عرفوه: “نحن وجدنا لنحمي لبنان، وسنظل نقاتل حتى الرمق الأخير…”

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل