في قول للفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه “الفشل ليس فقط السقوط، بل البقاء حيث سقطت”، من كتابه thus spoke Zarathustra ، أي”هكذا تكلم زرادشت”، يحاكي الواقع اللبناني الذي بتنا فيه بعد انتخاب الرئيس جوزيف عون في جلسة التاسع من كانون الثاني، وتكليف القاضي نواف سلام في 13 منه لتشكيل حكومة العهد الأولى، بتأييد 85 نائبًا من إجمالي 128 يشكلون أعضاء البرلمان، فيما امتنع نواب “الحزب” وحليفته حركة أمل عن التصويت لأي مرشح.
بدأ عهد الرئيس جوزيف عون بزخم كبير جدًّا، وهذه الاندفاعة التي انطلق فيها العهد الجديد تمّ فرملتها بعد عمليّة التشكيل التي أفضت عن نوع جديد من التّعطيل، وهذا ما جاء نتيجة طريقة العمل، لأنّ القاضي سلام يتعاطى مع الملف الحكومي من الناحية النظرية، وفقًا لمعايير وضعها انطلاقًا من عملية مسايرته لمختلف القوى السياسية. لكن منطلقه غير السياسي الذي نصح بالتعاطي انطلاقًا منه مع الأحزاب السياسية على قاعدة حكومة من دون الأحزاب، أعاق عمله، على الأقل حتى الساعة، لأنه يقبل بتسمية الوزراء الحزبيين من قبل بعض الأحزاب، فيما يرفض هذا المعيار لأحزاب أخرى.
وبصورة أوضح، خطا الرئيس المكلف “دعسة” ناقصة في ملف التشكيل لأنه خالف المعايير التي وضعها هو بنفسه، ومهما حاول تبرير ما يقوم به أو سيقوم به، ستبقى دعسته هذه دعسة العهد الأولى، دعسة ناقصة. إذ كيف يمكن له أن يوافق في محكمة العدل الدولية بالحكم على الفريق نفسه الذي يسعى لإرضائه توزيرًا؟، وليس أيّ توزير، بل التوزير التعطيلي. لا يمكن لدولته أن يعمل على قاعدة win win، لأن التجارب أثبتت فشل فريق الممانعة. فإذا أراد للعهد الجديد النتائج نفسها، فما عليه إلّا العمل وفقًا للقواعد نفسها. وعلى الأقل حتى الساعة ،هذا ما يبدو من خلال مواكبة أيّ قارئ لمسار التأليف.
دولته أمام خيارين لا ثالث لهما: تشكيل حكومة سياسية بامتياز لا تضمّ أي طرف من أطراف الممانعة، أو تشكيل حكومة اختصاصيّين لا تضمّ أي طرف سياسي إطلاقًا.
ويبقى معيار توزيع الحقائب على المناطق والعائلات الروحية، هو الفيصل الوحيد بعد معياري الكفاءة والنّزاهة في اختيار الوزراء. ولا يمكنه الطلب من القوات اللبنانية القبول بتوزير الثنائي الشيعي في حقائب تعطيلية، فيما هو يتصدّق على أكبر كتلة سياسية في البرلمان بوزارات غير فاعلة. كما لا يمكنه استبعاد أكبر حزب مسيحي بحجة أنه لا يريد توزير سياسيّين بل اختصاصيّين فقط، مقابل أن يقوم بتوزير اختصاصيّين سياسيّين، معروفي الانتماء، وصورهم ومسارهم السياسي شاهدة على انتمائهم هذا.
حتى الساعة يبدو فشل دولته في السقوط بفخ اللبننة السياسية الجامعة للكلّ إرضاء للكلّ. وفشل دولته سيؤدّي إلى تنحّيه إن قرّر البقاء في سقطته هذه. أمّا إن أراد استعادة زمام المبادرة والنهوض من دعسته الناقصة هذه، فما عليه سوى التعاطي مع الأفرقاء السياسيّين كلّهم انطلاقًا من موقع كلّ منهم السياسي. وعليه إتقان القراءة الاستراتيجيّة في التحوّلات الجيواستراتيجية التي تعصف في المنطقة، لا أن يدير أذنه السياسية إلى بعض المجموعات والنشطاء السياسيّين الذين اقتحموا عالم السياسة من بوّابة وجع الناس.
على دولته الاستماع إلى الوجع الحقيقي الذي يعصف في ضمائر الوطنيّين كلّهم، لا أولئك الذين يدّعون استرجاع الحقوق والأموال المنهوبة لينهبوا على ظهر هذه الشعارات ما تبقّى من كرامة وطنية لمَن قرّر البقاء في هذا الوطن. وإن أراد الاستمرار في سقطته هذه ظنًّا منه بأنه يراعي مشاعر المكوّن الحضاري الشيعي بعد النكسة التي تعرّض إليها مجتمعه نتيجة قصور فريقه السياسي استراتيجيًّا، فعندها سيواجه معارضة شرسة وستولد حكومته مبتورة سياديًّا وسيعود إلى القوقعة الممانعة في عهد سياديّ بامتياز.
فهل سينتقل النزاع السياسي بين دولته وفخامته على خلفيّة المسايرة الممانِعَة للممانعَة؟ أم سيكون فخامته السند المعارِض والحكم الحاكِم في الحقبة الأولى من عهده، وحتّى انتخابات 2026؟، أم سنشهد تكليفًا جديدًا في القادم من الأيام يحرّر انطلاقة العهد ويستعيد اندفاعته؟.
