
يموت شهداء الحرية ألف مرة في لبنان. في “القوات اللبنانية” عندنا شعار مقدس نردده دائمًا في قداس الشهداء، “لا يموت لنا شهيد مرتين، مرة بالاستشهاد وأخرى بالنسيان”، لكن في مفكرة ميليشيا إيران آلاف شهداء حرية الرأي الذين اغتالتهم بدم بارد، يموتون في اليوم ألف مرة! لقمان سليم، لم يقتله “قاتل” بخمس رصاصات مباشرة، أبدًا، بل لعله انتحر، أو ربما هيك هبط عليه الموت الفجائي على شكل رصاصات، لماذا؟ لأن القضاء في لبنان قرر أن لا “قاتل” للقمان سليم، وبناء عليه اُقفل الملف!!
هكذا جهّل القضاء قاتل لقمان سليم، الناشط الشيعي المعارض لميليشيا إيران في لبنان، في الذكرى الرابعة لاغتياله، بحجة “عدم توافر أدلة عن هوية مرتكبي الجريمة لتوقيفهم وسوقهم للعدالة”!!
يا سلام على العدالة في لبنان، يا سلام على العدالة التي اكتفت باتهام “مجهولين بالوقوف وراء خطف وتصفية لقمان سليم”، وسطّرت بلاغ تحرٍ دائم لتحديد هوياتهم، من دون الالتفات أو حتى الاكتراث لعشرات الأدلة التي تقدمت بها عائلة سليم ومحاميته، علمًا أنه تعرّض قبل اغتياله بأيام، لتهديدات مباشرة متكررة من قِبل “الحزب” في منطقة الضاحية حيث كان يقيم، وإحداها عندما كتب له أحدهم على حائط منزله “الحزب شرف الأمة”، وأخطر الأخطر بعد عندما كتبوا له عبارة “المجد لكاتم الصوت” في إيحاء مباشر بالاستعداد لاغتياله.
تبجّح القاتل بآلة القتل التي يملكها وبأسلوب القتل، عبر مسدس يحمل كاتمًا للصوت، الذي لم يكتم فقط أنفاس لقمان سليم، بل صوت العدالة معه، العدالة التي توسّم اللبنانيون خيرًا بها بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتسمية رئيس للحكومة، كما توسموا العدالة الآتية لأجل ضحايا تفجير مرفأ بيروت الإرهابي، ليتلقوا صفعة قاسية من القضاء عبر قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة بلال حلاوي، الذي غيّب القتلة واكتفى باتهام “مجهولين بالوقوف وراء خطف وتصفية لقمان سليم”!!
المجد لكاتم الصوت، هو المجد إياه الذي اُسقط على يوم 7 آيار المجيد، الذي أعلنه نصرالله حين اجتاح بيروت في العام 2008. هي حكاية مجد تنتقل من عام لعام ومن اغتيال لاغتيال. لم يغتالوا لقمان سليم بالجسد وحسب، إنما اغتالوه في قبره، انتهكوا حرمة الموت من جديد لأنهم مجدوا القاتل وآلة القتل، والأسوأ من ذلك كله، حين تحوّل بعض القضاة المرتهن، الى آلة القتل الفعلية التي دفنت لقمان سليم ونثرت فوق قبره أطنان التراب، ليصبح موته مقبرة العدالة، وها هو لقمان يعانق من جديد ظلامه في قبر أسود وبلاطة رخام بلا حياة كتب فوقها “هنا يرقد شهيد المجد لكاتم الصوت”، فهل يقبل القضاء في لبنان ما يحصل؟!
بالأبيض والأسود تُنشر صورة لقمان سليم، ليس حدادًا عليه وحسب، بل على بعض قضاء قضى على قضيته المحقة، وسط أجواء قيام الدولة الفعلية ومعها القضاء العادل. الحداد ليس على لقمان سليم الثائر الشجاع المفكر الحر، الكاتب الذي لم يخف لا تهديدًا ولا عويل سلاح غير شرعي، دمّر كل معالم العدالة والحق في لبنان، الحداد على العدالة نفسها، الحداد على دولة، على الرغم من كل ما حصل، ما زالت تخشى زمرة زعران ما عادوا يملكون الا الشارع لاجتياحه، وحرق الأعلام اللبنانية، وإطلاق شعارات طائفية مستفزة للبنانيين التواقين الى منطق الدولة، والى قضاء لا يهاب أحدًا ولا يرتهن لأحد. الحداد ليس على لقمان سليم وحسب بل على حالنا، لأن بعضنا ما زال خاضعًا ليس لحكم القوي، لأن ما عاد له وجود، إنما من “وهم” القوي، ولا يتجرأ على اتخاذ موقف. حيف على بعض القضاء، حيف على وطن لا يستعمل كاتم الصوت بوجه الظلم. للأسف اغتالوك من جديد لقمان سليم، لكن برصاص الظلم الملعلع وما احتاجوا هذه المرة لكاتم للصوت. إياك، اياك أن ترتاح يا رجل في قبرك قبل تحقيق العدالة.
