
يوم كان مصير لبنان مجهولًا ومستقبل شعبه في مهب الريح، انبرى من يدافع عنه. سقط منهم الآلاف وارتقوا الى حيث العزة والكرامة، والمجد والخلود مسطّرين بتضحياتهم مستقبلًا لغد أفضل، ولا زالت التضحيات في سبيله مستمرة. ليس سهلًا أن يختار شباب في ريعان العمر التنازل عن كل ملذات الحياة لينضموا الى قافلة من صنعوا تاريخنا المشرّف.
أيقونات من نار ونور هم، ولأن ذكراهم لا تغيب وقصص بطولاتهم لا بدّ أن تُتلى على مسامع الأجيال وتنقل اليهم، كان هذا التكريم في كتاب للصحافي جورج حايك، بعنوان “شهداء المقاومة اللبنانية أيقونات من نار ونور”.
الموعد، السبت 8 شباط، عند الساعة السادسة مساء على ملعب مسرح بلدية الجديدة ـ البوشرية ـ السد، والهدف، إطلاق الكتاب بحفل توقيع يضم الى “القوات اللبنانية”، جميع القوى السيادية وأحزاب ما عُرفت عبر تاريخنا المعاصر، بالجبهة الوطنية.
بحسب الكاتب، اختيار العنوان لم يكن سهلًا، فالشهيد يوم يرتقي، يصبح وللأسف ذكرى في صورة. هذه الصور تعلّق على جدران البيوت، فتكون وسيلة التواصل شبه الوحيدة ربما، بين الأهالي وأبنائهم. إذًا، صار الشهداء أيقونات، بعدما تحوّل التخاطب بين الجهتين صلبًا وليس عابرًا أو عاديًا، علمًا أن الصلاة لا تتلى إلا امام الأيقونة. أما لماذا نار ونور؟ فيجيب الكاتب في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “أن عبارة النار والنور تعني أن الشهداء لا يزالون على قيد الحياة وهم يعيشون معنا، ولولا استشهادهم لما كنا بقينا. وأكثر من ذلك، تعرّض الشهداء للنار وأيضَا اضطروا الى استخدامها يوم كانوا على الجبهات، قبل أن ينتقلوا الى السماء، أما النور فتعني أنهم الأمل وبريق النور، وبالتالي موضوع الشهداء هو بالنسبة الينا قدس أقداسنا”.
استغرق إعداد هذا الكتاب، سنة وبضعة أشهر، أما الفكرة فكانت وليدة النقص الذي وجده جورج حايك في هذا الملف، والى افتقار المكتبة اللبنانية لكتب تتعلق بشهداء المقاومة اللبنانية. وانطلاقًا من هذه الحاجة، تولدت فكرة ضرورة وجود كتاب جامع وضخم، يتعلق بشهداء المقاومة اللبنانية. يقول حايك: “في مجتمعنا اللبناني عمومًا والمسيحي خصوصًا، شهداؤنا قيمة كبيرة، ولا يجب نسيانهم أبدًا، تمامًا كما أوصى المفكر اللبناني الكبير شارل مالك عندما قال: نسيانهم الخطيئة الكبرى. ارتفع هؤلاء الشهداء كالأرز، وهذا الكتاب شكل تحدٍ كبير. وضعت آلية ومعايير لطريقة العمل، فحددت الفترة الزمنية التي امتدت بين أعوام 1975 و1990، واخترت 120 شهيدًا أي 120 قصة، انطلاقًا من وجود هؤلاء الشهداء على الجبهات وفي الفترة الزمنية التي أشرت اليها، إضافة الى ضرورة وجود مادة قصصية للحديث عنها، لأن ذلك سيحتاج الى مجلدات، وهذه الأسماء شكلت نموذجًا عامًا للشهداء الذين سقطوا في تلك الفترة”.
إذًا 120 شهيدًا و120 قصة وُثقت بـ520 صفحة، ولأن الكاتب حرص على الا ينسى أحدًا، أعد لائحة شرف تضمنت أسماء شهداء المقاومة اللبنانية الذين سقطوا على الجبهات، جميعًا، إضافة الى فصل يتحدث عن تاريخ الاستشهاد لدى المسيحيين، وآخر يتناول قراءة معمّقة للحرب من خلال تضحيات هؤلاء، لينتقل بعد ذلك الى القصص على جبهات النار والتي تناولت الـ120 شهيدًا.
لا يخفي حايك أبرز المعوقات التي اعترضت عمله إذ كان يتعامل مع الذاكرة، التي تشمل أهالي الشهداء وأصدقاؤهم ومجتمعهم، علمًا أن كثيرين من الأهالي والرفاق على الجبهات قد توفوا. إذًا بدا تجميع الأخبار صعبًا، فبالإضافة الى المقابلات التي أحراها حايك مع أهالي الشهداء وأقاربهم وأصدقائهم، كان اعتماده على الأرشيف الموجود في مجلة المسيرة وفي موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، وجهاز الشهداء والأسرى والمعتقلين في حزب القوات، وكل الصفحات المتعلقة بالمقاومة اللبنانية وأحزابها، أمر أساسي.
يضيف حايك: “أردت أيضًا توجيه رسالة حاسمة. فلبنان لم يبقَ لولا تضحيات كل مكوناته ولا يمكن لأحد أن يقول أنا فقط عندي شهداء. فشهداء المقاومة اللبنانية واجهوا كل المشاريع التي كانت تحاول أن تقضي على قيم الحرية والحضارة وكرامة الإنسان، ولن أدخل في المقارنة مع الآخرين، على أمل أن تكون الرسالة قد وصلت”.
يشدد حايك على أن شهداء المقاومة اللبنانية هم امتداد لنضال ودفاع تاريخي عن الموارنة والمسيحيين في لبنان، بدأ منذ 1400 سنة حتى اليوم، وقد تراكمت التضحيات للحفاظ على هذا الوجود، مبلورة فكرة لبنان من خلال تضحياتهم ومسيرتهم على تعاليم سيدهم ومعلمهم يسوع المسيح.
سيلي التوقيع المركزي في 8 شباط، تواقيع غير مركزية في الأقضية اللبنانية كافة، كما سيصار الى توصيل الكتاب عبر الـ”ديليفري”، على أن يكون في المكتبات في المرحلة الأخيرة. ومن المتوقع أن يتحدث في توقيع مساء السبت، النائب السابق أنطوان زهرا، والمؤرخ جو حتي، والباحث نبيل يوسف إضافة الى كلمة الكاتب، على أن تلي الكلمات مرحلة التوقيع.
