الروحانية المارونية
لم تبنِ الكنيسة المارونية، لا إمبراطورية ولا مملكة ولا حتى إمارة، بل كان نصيبها من حطام الدنيا، مغاور نساكها وناسكاتها، وصوامع حبيساتها وحبسائها، وقلايات راهباتها ورهبانها، وأديار عابداتها وعبّادها، وبيوت بنيها الريفية، وحجارة تربة مثوى أمواتها. بمعاناتها الدهرية، تشهد للقائم من الموت، في العالم، وتتماهى بفعل رهباني ونسكي، ضارع إليه، يشهد له بفرح “الواقعية الروحية”، ويصبو إلى “مارانا تا”، تعال أيها الرب يسوع، أيها الحبيب الإلهي، خاتمة بابتهالها هذا، بآخر صرخة تضرّع رجائي، ورد في إنجيل العهد الجديد (رؤيا 22/20).
ميزات الكنيسة المارونية
امتازت الكنيسة المارونية بملامح أساسية، بوجهها الروحي الديني البيعي أي “الموراني” من جهة، وبوجهها الإنساني المدني الزمني أي “الماروني” من جهة ثانية. يجمع هذه الميزات مشترك أساسي واحد، هو الحرية، التي تربط بينها بإحكام قيميّ. الميزات هي:
كنيسة رهبانية: من خصب حياة رهبانيتهم الروحية، ومن زخم ورع نضارتها النسكية، وانجذاب المؤمنين المسيحيين إليها وتكوكبهم حولها، تولّدت الكنيسة المارونية، عام 685، لملء فراغ مؤسسي طال أمده في بطريركية أنطاكية، أولى الكراسي الرسولية الخمس، المنثورة على شطآن البحر المتوسط. بالمقابل، تتولّد سائر الرهبانيات، عبر التاريخ الكنسي المحلي والعالمي، من خصب حياة كنائسها.
كنيسة سيدة حرة مستقلة: انطلقت الكنيسة المارونية ببطريركيتها الإنطاكية، في جسم الكنيسة الجامعة، وهي على علاقة إيمانية وشركة روحية، استمرت ثابتة مدى الدهور، بخليفة هامة الرسل أسقف روما، متحررة بذلك من السلطات الملكية البيزنطية ومستقلة نظاميًا وإداريًا وانتخابيًا عن السلطة الخليفية الإسلامية، فيما عرفت، بالمقابل، سائر الكنائس، تدخلات في شؤونها، وإملاءات استمرت بين مد وجزر، ما بين سلطتها الدينية وتلك الزمنية المحلية.
كنيسة القرار الحر: رغبة بالتملص من نظام الملكية البيزنطية ومن نظام سطوة الخلافة الإسلامية، قامت الكنيسة المارونية بانتزاع القرار الحر عن الكنيسة المارونية. لم تنشأ المارونية من جراء النزاعات الكريستولوجية العقيدية، ولا كانت حصيلة تمسكها بهوية لغوية أو ليتورجية، بل سوّغت بقرارها الحر مشروعية تحرر استقلاليتها التنظيمية، مع إصراراها العميق على البقاء بحالة شركة إيمانية مع خليفة بطرس.
فكرة وطن الحرية: استنبط الموارنة فكرة الوطن، بركائزه الثلاث، القيم والإنسان والأرض، وحّدوا قيم الحرية، أنسنوا الأرض، وارتبطوا بمكوّناته المجتمعية، برباط يحاكي “الزواج الماروني” محققين بذلك، لأول مرة في المشرق، طروحات “الوجود الوطني” قاعدة أساسية واجبة “للحضور السياسي”، الفردي والجماعي.
القلب المفتوح واليد الممدودة: جمعت الكنيسة المارونية بنيها بأخلاقية الحرية وبأدوات السلام، ووحّدتهم “تحت جناحيها”، الكهنوتي والرهباني (متى 23/37)، في «شراكة الإيمان»، بإقناعية القيم الإنجيلية. إنها كنيسة رسالية احتراميه التزامية، تشاركية، شعبية لا فوقية.
المتحد الديني الواحد غير المنقسم: شكّل الموارنة معًا، مدى التاريخ، كنيسة واحدة موحّدة، غير منقسمة ولا متفرّعة ولا منشقة، على رغم الاختلافات والنزاعات والاضطهادات والعزلة.
المتحد الكنسي الأنطاكي المشرقي المابعد إسلامي: أنمى الموارنة حبة خردل “إيمانهم البطرسي”، في إثر أبيهم الناسك مارون (345-410) ورهبانه وعابداته، وأنضجوا شهادة خيارهم الخلقيدوني (517) وأوثقوا ارتباطهم الكنسي بخليفة هامة الرسل الروماني (685). فشكّلوا بذلك المتحد الكنسي الأنطاكي المشرقي، الوحيد، الذي قام تاريخيًا، بعد ظهور الإسلام. احترم الموارنة المسلمين وما تعرضوا لنبي الإسلام قط. رفضوا دومًا التبعية، وتمنّعوا باستمرار عن الحصول على “وثيقة، فرمان، سند، مستند… شرعية انتخابهم بطريركهم، ومشروعية إطلاق متحدهم الكنسي، من غير ذواتهم.”
تخطي الذات: تتصف المارونية بالتعمّق لا بالتوسّع. بالحب عاش أنقياء الموارنة، إكليروسًا وعلمانيين. وللحب شهدوا في مناسكهم وأديرتهم، كما في حقولهم وديارهم. عبّروا عن المحبة بالبذل والمصالحة، بالتفاهم والتواثق، وبها بلغوا القداسة، ورُفع بعضهم على المذابح، أمثال شربل، ورفقا، والحرديني، وقريبًا يعقوب الكبوشي وإسطفان نعمة وإسطفان الدويهي… وبدافع الحب إياه، اندفع أتقياء الموارنة وأنبياؤهم، بروح الخدمة والأخوة الى توحيد قميص أنطاكية الممزق منذ خلقدونيا، في وحدة مسكونية كنسية، فيها، لا تحقق كل الكنائس ذاتها معًا، وحسب، بل تتخطى كل منها ذاتها، باتجاه يسوع القائم من الموت الذي وعد بأنه “إذا ارتفع، جذب إليه كل واحد”.
ختامًا عيد مار مارون، فتح لنا آفاقًا بعيدة الى الغوص في ذاتنا الشخصية والكنسية والروحية إن مارون لم ينته سنة 410 م، لكنه ظل حيًا وسيظل بإذن الله، لأن روحانيته مبنية على صخرة يسوع المسيح، الذي هو هو، أمس واليوم والى الأبد. فإن كنا ما زلنا قريبين من ذلك الينبوع النسكي الذي تفجّر يومًا على جبل قورش مطلوب منا أن نفحص ضميرنا. فالهوية وحدها لا تكفي، بل الالتزام الحياتي والعائلي والروحي الذي يجب أن يكون أيقونة رائعة لذلك القديس العظيم، وشهادة حية على مر الأجيال.
عظة للمطران موسى الحاج، لمناسبة الاحتفال بعيد مار مارون، في كنيسة مار شربل في عمّان. (شباط 2014)
الكلمة موقف، أيًا يكن موقِعُها ووَقعُها. في الفكر، في السياسة، في الدين، في الثقافة، في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة… وحتى تصبح هذه “الكلمة” عابِرة في الزمان والمكان، تفتح مجلة “المسيرة” صفحتها “آخر الكلام” لكتَّاب وسياسيين ورجال دين وفكر وفلسفة واقتصاد، ليسطِّروا عليها كلمة… وموقف.
“المسيرة”
للإشتراك في “لمسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]