




قد يكون مبرّرًا وصف الارتياح العام الذي شعر به اللبنانيون بغالبيتهم العظمى عند انتخاب قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون، بالعاطفي والغرائزي وبعيدًا من العقلانية والحسابات السياسية السيادية الدقيقة والمنطقية، لو لم تعطف عليه العبارات والتعهدات الواضحة الجلية التي وردت في خطاب القسم وما تلاها في الأيام القليلة التي تلت، من إصرار على تطبيق ما ورد في الخطاب ومن أداء مُوَاكب تجلّى في التعاطي الحازم مع كل مَن وما من شأنه أن يعكّر ويعطّل إنطلاقة العهد الجديد وتحقيق ما أقسم عليه سيّده من التزام بالقوانين والدستور.
إن القارئ في التاريخ وفي العهود منذ الاستقلال وصولًا الى انتخاب الرئيس الرابع عشر من عمر الجمهورية، يقع على تجارب سابقة لأربعة قادة من الجيش وصلوا الى سدة الرئاسة الأولى. فقد أجمع اللبنانيون البعيدون والقريبون من الرئيس الجنرال فؤاد شهاب إيجابًا في ما يتعلّق بإقامة دولة المؤسسات وحماية السيادة الوطنية وتأسيس وتعزيز وتقوية الجيش والقوى الأمنية وبسط سلطاتها وحدها على الأراضي اللبنانية. ولن نجد للدلالة على تشبث الرئيس الجنرال بالسيادة أوضح من الاجتماع الذي عُقد بين الرئيس العماد فؤاد شهاب والرئيس المصري والزعيم العربي جمال عبد الناصر في 9 شباط 1959 تحت خيمة على الحدود السورية ـ اللبنانية، جلس الرئيس اللبناني في الأرض اللبنانية ورئيس الجمهورية العربية المتحدة السورية – المصرية في الأرض السورية إصرارًا وتأكيدًا من الجانب اللبناني على استقلال لبنان وسيادته على أرضه.
في العودة الى 23 أيلول 1958 يوم أقسم الرئيس الجنرال فؤاد شهاب على الدستور باستطاعتنا أن نتلمّس ما حواه خطاب ذاك القسم الذي حكم في ظلّه الرئيس آنذاك ظل الدستور قدس أقداسه، والذي أطلق عليه الرئيس شهاب “الكتاب”، وهو وحده ما كان يحاجج به المستفسرين، والمفسّرين والمعترضين والمعارضين.
يقول الرئيس المنتخب فؤاد شهاب في خطابه، الذي ما زال ساري الفعل والفاعلية والمفعول حتى يومنا هذا: “إن إقرار الأمن وحكم الدولة في جميع المناطق اللبنانية، ونزع السلاح من أيدي اللبنانيين كافة من دون تمييز وبلا هوادة، وإعادة الحياة والنشاط الى الاقتصاد اللبناني، وبناء ما تخرّب من مرافق البلاد ومعالمها، وإزالة التوتر في العلاقات بين لبنان وبعض شقيقاته العربيات، ولا سيما تلك التي تجاوره، وفوق هذا كله تحقيق انسحاب القوات الأجنبية عن أرض الوطن بأسرع وقت، إنما هي القضايا الملحة التي يتطلب حلها تصميم المسؤولين الكامل، وحزمهم الأوفى، وعنايتهم الدائبة…. ليس من مطمع ولا من مطلب، شخصيًا كان أم حزبيًا، يجوز أن نعرِّض من أجله هذه الوحدة. وليس من حق لفرد أو لجماعة يوازي جزءًا يسيرًا من هذه الوحدة. بل ليس من واجب ألزم على اللبنانيين من الحرص عليها، والسعي الى دعمها، ولا من جريمة في حق الوطن أشنع وأخطر من العمل على هدمها أو التفريط بها… ولا بد من أن يطمئن المواطن الى تجرّد الحاكم، وعدل القاضي، وأمانة الموظف…. ولا بد من أن يكون للحكم فيها كل هيبته، وللقانون كل سلطته، ولحق الفرد والجماعة كل حرمته”.
وصولًا الى التاسع من كانون الثاني 2025 مع نفس المضمون برئيس منتخب جنرال من نفس المدرسة ونفس الرتبة، إذ وبمثل ما قال فؤاد شهاب والتزم بخطابه يقول الرئيس جوزيف عون ملتزمًا: “إذا أردنا أن نبني وطنًا علينا أن نكون جميعًا تحت سقف القانون وتحت سقف القضاء حيث لا صيف ولا شتاء على سطح واحد بعد الآن، ولا مافيات أو بؤر أمنية، ولا تهريب أو تبييض أموال أو تجارة مخدرات، ولا تدخل في القضاء، ولا تدخل في المخافر، ولا حمايات أو محسوبيات ولا حصانات لمجرم أو فاسد أو مرتكب. العدل هو الفاصل وهو الحصانة الوحيدة بيد كل مواطن وهذا عهدي …
عهدي أن أعمل مع الحكومة المقبلة على إقرار مشروع قانون جديد لاستقلالية القضاء.
عهدي أن أمارس دوري كقائد أعلى للقوات المسلّحة وكرئيس للمجلس الأعلى للدفاع، بحيث أعمل من خلالهما على تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح. دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود ويساهم في تثبيتها جنوبًا وترسيمها شرقًا وشمالًا وبحرًا ويمنع التهريب ويحارب الإرهاب ويحفظ وحدة الأراضي اللبنانية ويطبّق القرارات الدولية ويحترم اتفاق الهدنة ويمنع الاعتداءات الاسرائيلية على الأراضي اللبنانية، جيش لديه عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض الحروب وفقًا لأحكام الدستور…
عهدي أن أدعو الى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يمكّن الدولة اللبنانية، أكرّر الدولة اللبنانية، من إزالة الاحتلال الإسرائيلي ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية… وأن نتمسّك أيضًا بحق الدولة اللبنانية في ممارسة سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية ومن ضمنها مخيّمات لجوء الأخوة الفلسطينيين والحفاظ على كرامتهم الإنسانية. وأن نمارس سياسة الحياد الإيجابي… لا فضل لطائفة على أخرى ولا ميزة لمواطن على آخر. هذا عهد احترام الدستور وبناء الدولة وتطبيق القوانين، هذا عهد لبنان”.
لم تكن القفزة من شهاب الى جوزيف عون إلا تجاوزًا لما تجاوزه الجنرالات الثلاثة، إميل لحود وميشال سليمان وميشال عون، من التزام لما تلوه في القسم وما تعهدوا به في الخطاب، وما كان يجب أن يتعهدوه من دون أن يجرأوا على تلاوته حتى.
فعلى سبيل المثال يقول الرئيس العماد إميل لحود في خطاب القسم بما قام بعكسه في فترة حكمه والتي مددت قسرًا ثلاث سنوات إضافية بفعل الاحتلال والوصاية الخارجية: “إننا كسلطات ومسؤولين موجودون حيث نحن باسم القانون، فلا يجوز أن يغفل عنا في أي وقت وظرف، وخصوصا في قمة الشعور بعنفوان السلطة، أننا إنما نمارس ونطاع بقوة القانون وليس بقوتنا، نعم بقوة القانون وليس بقوتنا”… وعرفانًا من الرئيس الجنرال لسوريا بالجميل بفرضها له عبر احتلالها يقول “من أقسم على سيادة لبنان في خطاب قسمه. وأقول أيضا، لكل من لا يعرف الحقائق، وبالأخص لمن لا يريد أن يسمعها، أنها لو أدرك اللبنانيون، لا سيما بعض من كان منهم مسؤولًا حينذاك، لو أدركوا جوهر المبادرة السورية التي أطلقها الأخ الحقيقي للبنان الرئيس حافظ الأسد، لما استمر النزف والدمار الى الأمس القريب. إن علاقتنا بسوريا هي علاقة تاريخ وأرض وشعب… إن تجربتي في بناء الجيش زوّدتني بالإيمان والبرهان بأن سوريا، بقائدها وشعبها وجيشها، تريد الخير للبنان، وتدعم الدولة اللبنانية من دون حدود. فهلا عرف اللبنانيون في موقع الحكم والسلطة أن يوظفوا هذا الدعم لبناء دولتهم ومؤسساتهم، فيحبهم الناس ويحبون سوريا من خلالهم… إن للبنان مصلحة وطنية عليا ثابتة ومصيرية تقضي… بتلازم المسار مع سوريا على قاعدة الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي والجولان على حد سواء وفقا لقرارات الأمم المتحدة”.
بعد ممارسة لحود في الحكم الذي دام تسع سنوات حَكَمَ اللبنانيون عليه وفقًا لما دعاهم إليه في ختام خطاب قسمه: “فلا تستعجلوا الأحكام على الوجوه والأسماء أيًا تكن وانتظروا الممارسة ففيها الجواب، فأنتم الحكم وإليكم الاحتكام، أيها اللبنانيون، أنتم الحكم وإليكم الاحتكام”.
أما مع العماد ميشال سليمان الذي انتُخب في 25 أيار 2008 بعد غزوة السابع من أيار واتفاق الدوحة، والذي على أساسه انتزع حزب الله من الدولة والحكومة سيادتها وثلثًا معطلًا، ومن الجيش هيبة وسطوة، فيقول في خطاب القسم متمايزًا في موضوع المقاومة: “إن نشوء المقاومة، كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كيانًا وجيشًا لها، ونجاحها في إخراج المحتل، يعود إلى بسالة رجالها، وعظمة شهدائها، إلا أن بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال، ومواصلة العدو لتهديداته وخروقاته للسيادة، يحتم علينا إستراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازمة مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الإستراتيجية. فلا تستهلك إنجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني. يتزامن هذا اليوم، مع الذكرى الوطنية، للتحرير والنصر، فلتكن حافزًا لنا، لمزيد من الوعي لما يتربص بنا، ولتجديد تمسكنا بالحرية والديمقراطية، التي ضحينا من أجلهما لنصون الوطن. وفي هذا السياق، يأتي العمل الدؤوب، لإطلاق الأسرى والمعتقلين، وكشف مصير المفقودين، واستعادة أبنائنا الذين لجأوا إلى إسرائيل، فحضن الوطن، يتسع للجميع”.
كما تمايز في الموضوع السوري بقوله: “إننا ننظر بشدة، إلى أخوة في العلاقات بين لبنان وسوريا، ضمن الاحترام المتبادل، لسيادة وحدود كل بلد… العبرة هي في حسن المتابعة لعلاقات ندية، خالية من أي شوائب اعترتها سابقًا، بحيث نعمل على الاستفادة من تجارب الماضي، وتداركها، تأمينا لمصالح ورخاء وأمن البلدين الشقيقين”.
الكل يتذكر كيف أن عبارة “العلاقات الندية” قد أغاظت السفير السوري الذي كان حاضرًا وأخرجته من قاعة المجلس. وطبعًا لم يكن حكم ميشال سليمان على الرغم من هذين التمايزين متوافقًا مع ما ورد في القسم وفي الخطاب.
لا نبالغ إن قلنا إن أكثر من سلّم الدولة للدويلة هو الجنرال الذي كان الأكثر مطالبة وادّعاءً بالدولة في وجه الدويلة والأكثر مطالبة بمكافحة الفساد والأكثر ادعاءً بتحصيل حقوق المسيحيين كونه الأكثر تمثيلًا لهم… إذ بعد حكمه غير الرشيد ظهر أمام الجميع على حقيقته العارية في حرق السيادة وتسليم أمر الحرب والسلم لحزب ديني مرتبط بإيران، وفي التعيينات والمحاصصة والتوريث والتدخل الفاضح الفاقع في القضاء، وهو الذي قال في خطاب الواحد والثلاثين من تشرين الأول 2016 قولًا لا فعلًا ولا التزامًا: “إنّ من يخاطبكم اليوم، هو رئيس الجمهورية… رئيسٌ أتى في زمن عسير، ويؤمل منه الكثير في تخطي الصعاب وليس مجرد التآلف والتأقلم معها، وفي تأمين استقرار يتوق إليه اللبنانيون كي لا تبقى أقصى أحلامهم حقيبة السفر.
إن بلوغ الاستقرار الأمني لا يتم إلا بتنسيق كامل بين المؤسسات الأمنية والقضاء، فالأمن والقضاء مرتبطان بمهمات متكاملة، ومن واجب الحكم تحريرهما من التبعية السياسية، كما عليه ضبط تجاوزاتهما فيطمئن المواطن الى الأداء، وتستعيد الدولة وقارها وهيبتها. أما مشروع تعزيز الجيش وتطوير قدراته، فهذا سيكون هاجسي وأولويتي، ليصبح جيشنا قادرًا على ردع كل أنواع الاعتداءات على وطننا، وليكون حارسًا أرضه وحاميًا استقلاله وحافظًا سيادته”.
قد يكون ما نحن عليه اليوم بعد طول صمود ومخاض من حرب إيرانية إسرائيلية على أرضنا انتهت الى ما انتهت إليه من انكشاف كذب سرديات المقاومات في المنطقة أمام العالم والشعوب قبل سقوطها المدوي على أرض الواقع، ما هو إلا مكافأة محقة مستحقة لمن يريد لوطنه سيادةً وحريةً واستقلالًا واستقرارًا، ساعد بمنحها العالمين العربي والغربي تجلّت في وصول الثنائي الملتزم جوزيف عون ـ نواف سلام مع خارطة سيادية دستورية قانونية واضحة أعادتنا الى عهد فؤاد شهاب عهد الالتزام بالكتاب والعمل بهديه… ولو كره الكارهون المتربصون.
كتب أنطوان سلمون في “المسيرة” ـ العدد 1761
خمسة جنرالات تلوا خطاب القسم
بين التلاوة والالتزام… عهد العمل بالدستور بدأ!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
.jpg)