#dfp #adsense

مار مارون الناسِك… مدرَسةٌ مُشعّة من الفضائل والثوابت والقيم!

حجم الخط

خاص ـ مار مارون الناسِك... مدرَسةٌ مُشعّة من الفضائل والثوابت والقيم! (روجيه عفيف)

“هُنا أرَجُ الزهدِ من مِسحِ مارونَ شَكَّ البَعيدا
يُذيعُ على الناسِ نَهجًا قَويمًا ورُوحًا جَديدا”!

يطلّ علينا عيد مار مارون (المتوفى نحو سنة 410)، كل سنة في التاسع من شهر شباط، وقد ملأت سيرة حياته العطرة أرجاء البطريركية الأنطاكيّة وخارجها، ولمعت سيرة تلاميذه الذين ساروا على خطاه من سوريا الى جبل لبنان!

أليوم، وبعد مرور أكثر من 1600 سنة على وفاته، ومرور أكثر من 1400 سنة على تأسيس الكنيسة المارونية كبطريركية أنطاكية أمينة للعلاقة الثابتة مع الكرسي الرسولي في روما، وما عاشته الكنيسة المارونية من إنجازات ومحن، ماذا نقرأ من هذا التاريخ المديد والعريق من عبر وقيم وثوابت؟!
يضيق بنا المجال أن نستعرض مفاصل هذا التاريخ، لكن سنختصر قدر الإمكان بعض الأفكار، كالتالي:

أ ـ بعض الفضائل من سيرة مار مارون – زهد وإشعاع!

1 ـ النسك والتجرّد والتخلّي: عاش القديس مارون حياة صارمة في الزهد والتقشّف، عبر الصوم والصلاة والإماتات، في سبيل الإتّحاد بالله، طبّقه بعيش الإيمان الحي وخدمة القريب. هو الناسك الأوّل في العراء، الذي تحدّى الطبيعة بكل تقلّباتها القاسية، ليكون كالمصلوب في نهج التخلّي والتجرّد! لقد أصبح مار مارون مثالاً نسكيًا جريئًا ومميّزًا وساطعًا، ما جعل العديد من حوله يتتلمذون له ويقتدون به؛ كلّ ذلك من أجل الشهادة للإنجيل والدفاع عن الإيمان القويم ضدّ البدع والهرطقات، وعدم التراخي في عيش الفضائل الإنجيلية لخلاص الإنسان. هكذا سار المئات في عيش نسكيّ وتجرّد للإتحاد بالمصلوب الإلهي في علاقة عمودية وأفقية قوامها: محبة لله والقريب!
من مار مارون نتعلّم المثال الأعلى في عيش صفاء الروح ونقاء النفس وقداسة السيرة وصلب الجسد! ففي كل ماروني نور نسكي يستمدّه من مار مارون، ليشعّ نورًا على غيره، صورة للمسيح الإله الحي، لتحقيق ملكوت الله في الأرض كما في السماء!

2 ـ الخدمة والمحبة: في سيرة مار مارون، نجد المحبة والخدمة في أبهى تجلّياتها، حيث قصده مرضى النفس والجسد، وجموع المؤمنين، طالبين منه الشفاء الروحي والجسدي، والعون والبركة، والصلاة والعزاء، فأنعم الله على القديس مارون، بموهبة الشفاء، بدواء واحد –كما يؤرّخ سيرته تيودوريطس ـ هو الصلاة! فحقّق المعجزات، نابعة من المحبة الإلهيّة للبشر وخلاصهم، لمجد الله وانتصار الإيمان الحق!
إنّ حياة التخلّي التي عاشها مار مارون، تجلّت وانعكست في شفاء الذين قصدوه، من خلال الصلاة لكل إنسان، وللكنيسة جمعاء! لقد تحلّى مارون بالمناقب الروحية والنعم السماوية والبركات الإلهية من أجل الخير والخدمة تكون انعكاسًا للإيمان الحي!

3 ـ الجهاد في سبيل الإتّحاد الإلهي والإشعاع النوراني: يعتبر القديس مارون من روّاد المجاهدين الروحيين في سبيل الإتحاد بالله عبر النسك القاسي في العراء فوق قمة جبل قورش شمال سوريا، حيث ذاعت سيرة قداسته ولهج الناس بسيرته وتبعه تلاميذ وجموع، سرعان ما كرّمته بعد مماته أشدّ تكريم كالشهداء القديسين آنذاك! ولشدّة التأثّر به تأسّست الجماعة المارونية بطابع نسكي-رهباني أنطاكي، سرعان ما تحوّلت ـ بفضل الثبات الإيماني الرسولي المقدّس والسير على نهج القديس مارون ـ الى كنيسة خلقيدونيّة بطريركية ذات تراث سرياني أنطاكي عريق. هذه الفضيلة الجهادية في حياة القديس مارون، مكّنت الجماعة التي تبعته سواء جماعة وشعب ورهبان، الى العمل الحثيث والإلتزام الراسخ في الإيمان والتراث الآبائي، والقيم الروحية والأخلاقية والإنسانية الشاملة، منطلقين من ثوابت واضحة وأصيلة، في سيرة مار مارون نجد الجمال والنقاء والبهاء والصفاء في عيش الإيمان. لقد حصد الموارنة من سيرة القديس مارون، جهادًا عاشوه وطبّقوه في الإشعاع الروحي والتميّز الفكري والإلتزام الإيماني، وهذا ما تجلّى في تاريخهم العريق سواء في أرض لبنان أو في الإنتشار العالمي، رسلاً للبشارة والحضارة!

ب ـ بعض الثوابت في التاريخ الماروني – تجّذر والتزام!
1 ـ ثابتة الإسم: من أهم الثوابت المارونية الواضحة والراسخة، هو الإسم الذي أطلق عليهم، أو أطلقوه هم على أنفسهم! فهم الموارنة أو بيت مارون أو جماعة مارون، وفي كل الأحوال هم ينتسبون الى إسم قديس عاش الإيمان القويم، وجذب الجموع للتوبة والصلاة وعيش الإيمان، وأعطاها العزاء والشفاءات. إنّ الإسم هو هذه الثابتة الراسخة التي يحملها الموارنة عبر تاريخهم العريق من لبنان الى العالم وأينما حلّوا أو ارتحلوا! فمار مارون شفيعهم ومثالهم وقدوتهم، ومنه يستمدّون الشفاعة والإهتداء والقوّة، في مسيرتهم التاريخية الصعبة وسط تحدّيات كثيرة.
إن إسم مارون، هو وسام فخر وشرف وعنفوان! هو علامة حُب ورجاء وإيمان! وهو عنوان صمود وخصب وتجّذر! هو رمز قداسة وحكمة وارتقاء! إسم مارون يعكس هوّية تاريخية وعيش إيماني وأساس وجودي ومنطلق حضاري وتفاعل قيمي وخير إنساني!

2 ـ ثابتة الإيمان: المارونية هي الكنيسة الملتزمة بالإيمان المستقيم، ضدّ أعاصير الضلال والبدع والإلحاد، وضد الشرذمة واللانقسامات. فعلى الرغم من ما مرّت به هذه الكنيسة من أزمات وحروب وأحداث هائلة، يصعب على أي جماعة مواجهتها ومعالجة نتائجها. وعاى الرغم من ذلك، فقد صمدت الكنيسة المارونية صمودًا قويًا في وحدتها التامة في الإيمان، على الرغم من بعض الخلافات والاختلافات التي اعترتها سواء مع كرسي روما أو مع الكنائس الشرقية! الكنيسة المارونية هي الكنيسة الشرقية الوحيدة التي حافظت على وحدة الإيمان والشعب، ضمن البوتقة الكاثوليكية الجامعة. فلنتخيّل هذا البقاء الإتّحادي مع كرسي بطرس في روما، والبقاء بالوحدة الإيمانية الكنسية وتمسّكهم بها والأمانة للتراث العريق، على الرغم من بعض الاختلافات التي طرأت من خارج إرادتهم!
لقد عاش مار مارون الإيمان المستقيم، وجعل نسكه وزهده وجهاده الروحي في سبيل هذا العيش الايماني والشهادة له. لقد ترك العالم بهمومه وضجيجه ليعيش هذا الإيمان الحي ويجذب الغير نحوه، وقد نجح بهذا الإختبار أشدّ النجاح، ونقله لتلاميذه بخبرة مميزة، أرست وديعة الإيمان بثبات ونموّ وانتصار!

3 ـ ثابتة المكان: تمسّكت المارونية بالأرض، التي حوّلتها الى كيانًا فوطنًا! وهذا ما انطبق في مسيرتها التاريخية الصعبة والحافلة بالإنجازات والتحدّيات، على لبنان ـ أشبه بالفردوس لهم، وجنّة الله على الأرض ـ فحوّلوه من ملجىءٍ وأرض نسكية وجهادية، الى كيان وجمهورية، ودولة ووطن، فيه المؤسّسات والحرّيات والدستور والقوانين والأنظمة، في شرق مملوء بديكتاتوريات قمعيّة وأمبراطوريات توسعّية!
لم يكن سهلاً هذا التحدّي على الموارنة، في هذا الشرق الواسع والصعب أن يخلقوا دولة بمساحة صغيرة، ليكون وطنًا ينعم فيه الإنسان بالكرامة والحرّية والإستقرار، وعلى الرغم من كل الحروب والمحن التي مرّت على الشعب الأبيّ العاشق للحرية والإستقلال! كلّها قيم عاشها الموارنة واستمدّوها من سير القدّيسين المجاهدين في سبيل الكمال وروعة الإتحاد الإلهي من أرضٍ نحو السماء!

ج ـ بعض القيم الراسخة – الحُبّ والوفاء!
1 ـ حُب الأرض والتجذّر بها: في سيرة مار مارون، تجّذر واضح في الأرض، كمنطلق نحو السماء في علاقة عمودية مع الله، وأفقيّة مع الإنسان، عبر حياة روحية عميقة تعيش الإنجيل وتحقّق ملكوت الله. لقد قام مار مارون باعتلاء قمة كانت مكرّمة من قبل عبّاد للشياطين وكفّار بالله، ليحوّلها هيكلاً لله الحيّ يشعّ بإيمان العابدين والتائبين. فقصدته الجموع، ووعظها وصلّى لها ومعها للإله الحي الواحد، وفق العقيدة المسيحية الصحيحة والإيمان النيقاوي-القسطنطيني المسكوني. لقد حرص مار مارون على إطار أرضي خصيب، يتحرّك من خلاله نحو المؤمنين، في صلاة وعبادة! هذا الهيكل الذي أوى إليه، جعله متجذّرًا في الإيمان، ومتجذرًا في الأرض التي تقدّست من خلال عيشه النسكي والإيماني.
لقد سار الموارنة على هذا النهج النسكي الروحي المتجذّر بالأرض، بالثبات في الحيّز المكاني كمنطلق روحي وإيماني وإنساني، يعيشون من خلاله القيم الروحية والإيمانية والعمل التطبيقي، والتفاعل الإنساني الشامل وتطوّره الحضاري!

2 ـ حُبّ العِلم والثقافة والتعمّق المعرفي: نجد في حياة مار مارون مثالاً في القداسة، ومسيرة مرتكزة على الحكمة الإلهية المستمدّة من شخص يسوع المسيح، الإله الكامل والإنسان الكامل، وفق الإيمان القويم والإلتزام بالعقائد المسيحية الصحيحة. هذا الثبات ينطلق من علم واضح في العقيدة القويمة، إنعكست على تلاميذ مار مارون والشعب الماروني والكنيسة المارونية في تبنّيها العلم الصحيح والتعمّق الثقافي للثبات في هذا الإيمان القويم!
ففي أرجاء البطريركية الأنطاكية، ناضل الموارنة في سبيل الحفاظ على الإيمان القويم والإلتزام به والشهادة له حتى الإستشهاد، وهذا يتطلّب التثقّف والتعلّم، وهو ما سار عليه الموارنة في الإطار العمراني الواسع، فأسّسوا المدارس والجامعات ودُور العلم والتأليف والنشر، في لبنان والعالم، في سبيل تنمية الإنسان وصون الإيمان وعيشه من خلال العلم والثقافة والمعرفة والإبداع والريادة!

3 ـ نحو حياة مدنيّة عصريّة مع الحفاظ على التراث والجذور: من خلال قراءة سيرة مار مارون، نجد أنّه وعى سلوك البشر ومتطلّباتهم وهمومهم ومعاناتهم، فحملهم في صلاته، وقام بالوعظ والإرشاد والتعليم، دون أن يتخلّى عن الصوم والصلاة وعيش النسك والعبادة! هذه العملية التفاعلية مع الواقع بما يحمل من حاجات ملحّة وتلبيتها بالفضائل الروحية التي ترفع تلك الحاجات من قبضة العالم التعس الى النور الإلهي الشافي، جسّده مار مارون فعليًا، وعلى مثاله تجسّده الجماعة المارونية والكنيسة المارونية من خلال توقها الى حياة مدنية منظّمة، من دون أن تتخلّى عن تراثها العريق المبني على الإيمان الصافي والنور الإلهي!
فحياة مار مارون تعلّمنا اكتشاف الذات والعودة الى الأصول، للإنطلاق الى الواقع وتغييره من خلال هذا النهج الروحي الأصيل النابع من الإيمان الحي، من مواهب السماء ونعم الروح، لينعكس سلامًا وأمانًا وعطاءًا، بين كل إنسان، وفي العالم والمسكونة كلّها!

في الختام والمحصّلة، واليوم في عام 2025، ليست المارونية مجرّد مذهب يدافع عن عقيدة معيّنة ضد عقيدة أخرى، ولا كنيسة كباقي الكنائس تخضع لقوانين وطقوس معينة ـ على الرغم من غناها وأهميتها ـ ولا جماعة تعيش صراعًا من أجل البقاء والعيش المستمرّ، بل هي نهج حياة مفعم بالإلتزام الصادق بالمبادىء والفضائل والقيم التي عرضنا بعضها، وجواب هذا الإلتزام، إنعكس وينعكس وسينعكس تاريخًا وحاضرًا ومتسقبلاً، في مشروع كامل ومتكامل ومنظّم، في إطار دولة مدنية عصرية متطوّرة، تحترم الإنسان، وكل إنسان، وكلّ الإنسان، في مساواة وكرامة وعدالة، ينعم فيها المواطنون بالحريّة والحقوق الكاملة. هذا ما دأب عليه الموارنة في النضال خلال تاريخهم، وهذا ما تنادي وعملت به الكنيسة المارونية، وهذا هو المشروع البطريركي الأعظم، في قيام دولة تحترم الحقوق وتلتزم الواجبات، ويعيش الجميع في سلام وأمان وحرية.
إن التراث الماروني، الروحي والتاريخي، هو خبرة عظيمة وهائلة، تتجلّى في هذا التطبيق العملاني، بعد أن اجتازت المارونية بنجاح، اختبار حياة قهر الذات والمحبة والوداعة والبذل والعطاء، وحُبّ العلم والمعرفة، والوفاء للأرض والإلتزام بالقيم وعيش الإيمان، والتضحية من أجل الحريّة، والتجذّر الثقافي والإنفتاح الحضاري والتطلّع نحو النور الذي لا يغرب، وهذا ما جعلهم يلتزمون تجاه غيرهم، بهذا المنحى الإنساني الرائد!
في عالم مليءٍ بالتحدّيات والتحوّلات، وفي وطن تعتصره الحاجات والأزمات والمحن، هل يحافظ الموارنة اليوم على هذا الإرث العريق، ليكون موضع التطبيق من خلال هذه الخبرة وهذا الإختبار، من أجل العبور الى حالٍ أفضل؟! علّهم بذلك ينقذون وطنهم لبنان، خيرًا لكل إنسان!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل