Site icon Lebanese Forces Official Website

نعم.. الموارنة في لبنان ضرورة

الموارنة

مقدّمة: من الواضحِ الجليّ أن مسلسل انتهاك مسيحيّي الشّرق، والذي يأخذ موارنة لبنان بطريقه، يستمر مُتتابعًا بانتظام من جانب المتطرّفين الذين تمجُّهم مذاهبُهم وإثنيّاتهم، وذلك لعدائيّة مُستَرسلَة مع سواهم مِمَّن يعتنقون معتقدات مختلفة، إن بحُكم عامل الديموغرافيا، أو بدافعِ التعصّب الأرعن، أو بفعلِ غريزة القتل التي كانت في أساس مجتمعاتهم البدائية.

مع فائض الألم والأسف على الضّحايا الذين مزّقتهم أنياب الحقد، هذه التي تصفع بارتكاباتها الإرهابية صفاء الإنسانية، والتي لم يُلحظ، تُجاهها، في العالم المُتَحَضِّر، وِقفة لاذعة، ينبغي أن تُوَجَّهَ الى الموارنة، خصوصًا، وكذلك الى عُموم الشّرائحِ التي تشكّلُ النَسيج الوطني، هذه الرسالة / التَّذكير، عن حقيقة الموارنة، تاريخيًّا، في لبنان، والذين شهدوا، ولا يزالون يُستشهَدون للحقِّ، والحريّةِ، والسّلام، والكيان، عنهم وعن غيرِهم.

توصيفٌ موضوعيّ: من أقدم الكارزين بالإنجيل هم مسيحيّو الشرق، ولا سيّما موارنة لبنان المتجذِّرون في الأرضِ التي نَمَت فوقَها الكنيسةُ الأولى. ولطالما كان وجودهم، في مُقابلِ ثيوقراطيّين غيرِهم، شاهدًا على الفداء، وهو أبلغُ ثمن يُمكنُ أن يدفعه شعبٌ من أجل هدف سام. أمّا الهدف المقصود فهو المحافظة على دور حضاري، تَمَدّنيّ، مِحوريّ، يُسهمُ في صياغة حالة ائتلافيّة إثنيّة، في غمرة المراحل التغييرية، والتشرذميّة، التي عصفت بالمنطقة، وفي مُقدّمها مراحل التطرّف الهمجيّ.

إنّ الموارنة المَشرقيّين، وفي مقدّمهم موارنة لبنان الذين تمسّكوا بهويّتهم الثقافيّة، أصرّوا على إبراز موقف دائم، داعم للهويّة الوطنيّة، والعروبيّة، على عكس ما حاول البعض ترويجه عن انعزاليّة مارونيّة في تَقَوقعٍ مَذهبيّ. فالموارنة هم أكثر الشرائح قدرة على الاندماج، والعيش المُتشارك مع غيرهم من المكوّنات الدينية، والثقافية، والاجتماعية، بالرّغم من التحدّيات المتعاقبة، ومُخطّطات التّذويب، واستبداديّة الانتدابات والاستيطانات المُتعاقبة التي استقصدت مصيرَهم، وأحكمت قبضتَها على وجودِهم، بهدفِ تفريغِ لبنانَ منهم الى دُوَلِ الهجرة.

لقد كان للموارنة الهِمّةُ الفاعلةُ لبناء كيان سياسيّ، لم يَفتتحوه مسيحيًّا إقصائيًّا، بقَدر ما صاغوه نموذجًا لعيش فريد، يُسقطُ النماذج العنصريّةَ، والأحاديّةَ العرق والدّين. وهكذا، انتهجَ الموارنةُ مسيرةَ أسلافهم من السّريان والأشوريّين، فأسّسوا لديمقراطيّة عملَت على أن تكفل الحريّات، وحقوق الناس، وقد افتدى الموارنة هذه الحقوق والحريّات بشلاّلٍ من الرجالِ، ليبقى للكرامة، في لبنان، وفي الشّرق بأسره، مَوطِئ. والموارنةُ هكذا، لم يَحيدوا، أو يتآمروا على قناعاتهم المسيحيّة، وعلى شهادتهم لفلسفة الصّليب، بهدف صيانة وجودِهم، ليكون مضمونًا، أو أكثر أمانًا، بينَ أكثريّات ديموغرافيّة راود بعضَ مهووسيها الحل القَمعيّ الذي لم ينجح، عَمليًّا، سوى بِتَفَشّي روح جهاديّة مارونيّة، إلزاميّة من أجل البقاء، ولمصلحة الجميع.

لقد آمن موارنةُ لبنان بالنّسيج الإنساني، بعيدًا عن الفَوارق المذهبيّة التي قَبَعَت في قناعات الكثيرين غيرهم، في حين اعتبروها، هم، قيمة مُضافة، لا سببًا للاحتراب والسِّجال، وهذا، بالذات، شكّل التركيبة المعجزة للبنان، على مَرِّ العقود. فالمذاهب، ودائمًا بِحسب المارونيّة، تُرسِّخ التعدّدية، وتَجمع بينَ القواسم، وتُحضّر لنهضة مُنتِجَة على أنقاض انحطاط البروتوتيبيّاتِ، والنَمَطيّة القاتلة. من هنا، رفض الموارنة مقولة اعتبارِهم أقليّة عِرقيّة في نسيج أكثريّ مُغاير، فهذه محاولة سافرة لتَقويض فرصة المُعايشة الأهليّة، والشراكةِ في الوطن، ومفهومِ العروبةِ كحضارة.

بين عصرِ الظلام والنظرة الحضارية: أمّا الخلل، فيكمن في عدمِ وجود مقاربة موضوعيّة واحدة للشّركة. ولن تتحقّق إزالة هذا الخَلَل إلّا بالمزيد من الانفتاح، وإعادة التوازن السياسيّ والتَقريريّ، والاعتراف بالحقوق. ويبدأُ ذلك بِهَدم تَبنّي المفهومِ المُلتوي للطائفيّة، أو ما يُعرف بالأنا الطائفية، أي الميل المُتَضَخِّم نحو طائفة بعينِها، والمُنطَوي على نظرة دُونيّة لغيرِها منَ الطوائف، حتى غَدَت الطائفيّة، اليوم، مُعضلة عابرة للمذاهب والاثنيّات، وأصعب من أن تُحَلَ بتَبويسِ اللِّحى.

لقد حدّدَ نهج الموارنة، في لبنان، سُنّةَ العلاقة بين الإنسان والإنسان، فانطلقت مسيرة العيش المُتكافِل، مُرتكِزة على أساس واحد هو حفظ حقّ الكرامة الإنسانيّة، وللجميع. لكنّ الجهل البغيض بتوصيات الأديان، وكذلك الأنانيّات المنحرفة، حوّلَت الأزمنة الى عصور ظلام، فسَاد الخُطاب التكفيريّ المُعَمّق لِهوّة القلق، ونشأَ الخوف على رماد ما سُمِّي “حِوارُ الحضارات”. هذا الحِوار، في أساسه، هو ظاهرة مسيحيّة مارونيّة، ودعوة مسيحيّة مارونيّة ينبغي التَرصُّد لها، لأنّها تَستند الى مُسلّمات إنسانيّة قوامُها الاعتراف بالآخر، واحترام رأيِه، وضمان وجوده الحرّ. وما كان هذا التَّحاور الرّاقي لِيولَد، لَو لم يَكُن الحضور المسيحيّ المارونيّ موجودًا، فاعلًا، مُنفتحًا، ومُنخرِطًا في هَمّ مجتمعِه الوطنيّ، وليس وُجودًا تَراكُمِيًّا، وكذلك، لَو لم يَكُن المسيحيّون الموارنة، أيضًا، هم المُبادِرين الى لَمّ الشّمل، وفتح كُوّة العبور الى الحريّة، والديمقراطيّة، والحقّ بالعيش الكريم، للجميع، ومن دون استثناءات.

خاتمة: لقد التزم المسيحيون الموارنة، انطلاقًا من تعليمهم، وطبيعتهم الكيانيّة، بشؤون الأرضِ لتحويلِها الى مَلكوت راق، ولبنان، بالنسبة إليهم، كلّ هذه الأرض. لكنّ الفَعَلَة ينبغي ألّا يكونوا قِلّة، أو من ديانة واحدة، ليُسَطِّروا، جميعًا، سِفْرَ خلاص لبنان.

ومَن له أُذُنان سامِعتان، من الموارنة، أولًا، ومن سواهُم، تاليًا، فَليَترُكْ لِعقلِهِ تَلَقّي ما تلتَقِطُه أُذُناه.

إقرأ أيضًا

Exit mobile version