#adsense

خاص – “فكر حر”: لبنان الحقيقي الذي أرادته المارونية

حجم الخط

المارونية

مخطئ من يعتقد أن لبنان أسسّه الموارنة بالاشتراك مع فرنسا من العدم العام 1920، بل هو نتاج تراكمٍ حضاري طويل الأمد وُضِع مدماكه الأول كمشروع وطنٍ وهوية مع تأسيس المدرسة المارونية في روما سنة 1584، وبذل فيه الموارنة الأوائل العرق والدم والدموع والتضحيات، ونشروا العلم والنور والمعرفة والديموقراطية والطباعة والحضارة والقداسة على طول الشرق وعرضه طيلة مئات السنوات، إلى حين موعد قطاف ثمرة هذا النضال التاريخي العظيم وتحقُّق هذا المشروع مع إنشاء دولة لبنان الكبير سنة 1920.

المارونية ليست مجرد مذهب مكتوب على تذكرة هوية يُسهّل لصاحبه تولّي مناصب مارونية في الدولة، بل هي فكر وروحية ومقاومة وإيمان والتزام بقيم الحق والحرية والإنسان مهما غلت التضحيات، ولأنها كذلك، كانت الجماعة المسيحية الوحيدة في الشرق التي قاومت وعاندت وصمدت وشاكست وعاكست التيار والرياح وتحولّت إلى أمّة، ثم انتصرت بتأسيس دولةٍ قومية ديموقراطية، لبنانية الهوى والهوية لكن مارونية القيم والروحية، وسط بحرٍ هائج من الاستبداد والرجعية والغوغائية كان يحيط بتلك الدولة عند بدايات تأسيسها من كل الجهات.

عندما وضع الآباء الموارنة المؤسسون الخطوط العريضة لمشروع وطنٍ وهوية اسمه لبنان منذ القرن السادس عشر، باعتباره وطناً قومياً للأمة المارونية والوطن الملجأ لكل المظلومين والمضطهدين في هذا الشرق لأي طائفةٍ انتموا، أرادوا أن يتولّى مقدّرات هذا الوطن موارنة على صورتهم ومثالهم، حتى يكون هذا الإرث الثمين بين أيادٍ أمينة لا بين أيادي سماسرة وتجّار هيكل وبائسين. غير أن هؤلاء الموارنة جرى استبعادهم من تركيبة هذه الدولة اعتباراً من سنة 1943، بفعل المساومات والتسويات المزغولة وموازين قوى غير مارونية وغير مسيحية وأحياناً كثيرة غير لبنانية أيضاً، وذلك تحت ذريعة أنهم يُمثّلون تيّار التطرف الماروني، وبأنهم “غير مقبولين إسلامياً” و”راسبين سلفاً في امتحان الميثاق والتوافقية”.

منذ ذلك الحين، والموارنة يعيشون الإحباط تلو الإحباط، ويشهدون الفلتان الأمني في مناطقهم والتعدّيات عليها حتى في ظل وجود دولة، ويعانون الاضطهاد والاعتقال والنفي والاستضعاف و”استوطاء الحيط”، ويتعايشون مع الصيف والشتاء تحت سقف واحد، ويدفعون ضريبة اتفاقية قاهرة من هنا ومعادلة خشبية من هناك، ويتحمّلون الفساد والإفساد والفاسدين والمساومين، وكلّه من أجل ضرورات الاعتدال ومقتضيات الوحدة الوطنية، التي للمفارقة لا تُطبّق إلا في اتجاهٍ واحد فقط، بينما في الاتجاهات الأخرى لا مشكلة في الرضوخ لأعتى أنواع المتطرفين “الإلهيين” وفرش الورود والأرُز أمام درب سيطرتهم على كل مفاصل الدولة اللبنانية التي لا يربطهم بها لا هوية، ولا تاريخ، ولا حدود جغرافية، ولا نظام ديموقراطي حر، ولا وجدان ولا أرزة، ولا طبيعة تعددية ولا أي شيء على الإطلاق سوى بطاقة الهوية من جهة، ونهب الدولة وسرقتها وإفلاسها تحت شعار نيل حقوقهم المشروعة، وتحقيقاً لميثاقيتهم المزعومة من جهةٍ ثانية!.

من يشبه لبنان الحقيقي كما أراده الآباء الموارنة المؤسسون، ممنوعٌ من الحكم وتولّي مقدرات هذه البلاد حتى لو كان مدرسةً في النزاهة والوطنية والانضباط، ومن يمثّل النقيض الوجودي لكل فكرة لبنان من أساسها، لا مشكلة معه إذا احتل هذه الأرض وسيطر على مقدرات البلاد حتى ولو كانت عقلية قطّاع الطرق النقيضة لمفهوم الدولة متأصلّة فيه أباً عن جد.

في ذكرى أب الموارنة القديس مارون، لا شك أن المشروع الوطني الماروني- اللبناني الذي بدأ مع مدرسة روما المارونية لم يصل إلى شاطىء الآمان بعد، وهو لا يزال يناضل حتى يتكامل لبنان الدولة والواقع والتطبيق، مع لبنان المشروع والفكرة والتصّور كما أراده الآباء الموارنة المؤسسون، خصوصاً على المستوى القيمّي والحضاري والوجداني، وعلى مستوى الشخصيات التي يُفترض بها تولّي مقدرات هذه البلاد وتكون على صورة هؤلاء الآباء المؤسسين ومثالهم وتطلعاتهم، عندها فقط ينتهي لبنان الكذبة والغش، ولبنان الأقنعة المزيّفة، ولبنان الفوضى، ولبنان الإفلاس والتخلّف والمزرعة، ولبنان “حضارة” الموتسيكلات الذي انحرف عن خطّه البياني التأسيسي ولم يعد يُشبه طبيعة مؤسسيه بشيء، ويولد لبنان الجديد الحقيقي، لبنان الحق والحرية والانسان، لبنان القوي المستقل المزدهر كما أراده أبناء مارون ومعهم كل المناضلين في سبيل الحق والحرية والانسان منذ البدايات.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل