#dfp #adsense

عقدان مأزومان انفجرا في نهايات محور وبداية عصر

حجم الخط

صحيفة النهار- نبيل بومنصف

كان القرار 1559 ثمرة شراكة أميركية – فرنسية وضعت الأساس لتحرير لبنان من حكم آل الأسد

 

 

لم تكن بداية الألفية الجديدة حسنة الطالع للبنان، إذ شكلت امتدادا لاحتلال خانق اصطلح على تسميته وصاية سورية، فيما هو في ممارساته القمعية وسيطرته على الحكم الصوري الذي كان عليه عهد إميل لحود أشد فظاظة من احتلال العدو بعينه. وطبعت المرحلة التي واكبت السنوات الخمس الأولى ما بين بداية العام 2000 والعام 2005 بطابع التخلي الدولي تماما عن الممارسات القمعية السورية والتحكم في السلطة الصورية اللبنانية، عبر ما كان يسمى النظام اللبناني – السوري المشترك، في حين أنه كان واقعيا لعبة النظام الأسدي لإيهام الخارج بأنه يقيم اعتبارا لسلطة داخلية تحت احتلاله.

 

شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتفجير نظام الأسد، إن بأدواته الاستخبارية المباشرة أو عبر الشراكة الإيرانية من خلال “الحزب” وحرب الاغتيالات، تحولا خطيرا في تطوير حلقات مواجهة الارتداد السوري – الإيراني على بدايات الاستفاقة الدولية الغربية حيال مركزية لبنان في الصراع في الشرق الأوسط، بعدما ضربت عملية 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة كل موروث التسليم للأنظمة والتنظيمات الديكتاتورية بسياسات غض الطرف.

 

كان القرار 1559 ثمرة شراكة أميركية – فرنسية وضعت الأساس لتحرير لبنان من حكم آل الأسد، ولكن الأسد الابن لم يكن بنباهة الأب حافظ الذي هرع في التسعينيات من القرن الماضي إلى شراء وصايته على لبنان بمشاركته في التحالف الدولي الذي حرر الكويت من احتلال صدام حسين. انفجار لبنان بحرب الاغتيالات وانسحاب القوات السورية منه عام 2005، ثم انقسام لبنان بين معسكري 14 و8 آذار وضع لبنان أمام مرحلة متبدلة وخطرة، ولو أن القوى السيادية اللبنانية وجدت دعما دوليا وغربيا نفض عن المجتمع الدولي غبار إهماله للبنان تحت هيمنة سورية – إيرانية. ولعل حماسة “الحزب” عام 2006 أيضا، إلى مساندة غزة التي كانت تتعرض لهجمة إسرائيلية عنيفة، إلى تفجير مواجهة تطورت إلى حرب دامت نيفا وشهرين ودمرت معظم لبنان، شكلت في حينه عنوان ترسيخ النفوذ الإيراني بديلا من السوري في لبنان والمنطقة، ردا على الحضور الدولي والخليجي والعربي المناهض لهذا النفوذ في ملفات المنطقة.

 

ومع ذلك، فإن لبنان غرق بعد تلك الحرب في أسوأ تداعياتها وسط تعمق الانقسام الداخلي وتمدده إلى الشارع والسلطة والمؤسسات، فتواكب الفراغ الرئاسي بعد عهد إميل لحود مع احتدام الشارع، ومن ثم لجوء “الحزب” إلى السلاح الفتنوي المذهبي، وكان عهد الرئيس ميشال سليمان حقبة صراع للتوازنات بين ممارسات معسكر التحالف العوني مع قوى8  آذار في تعطيل تشكيل الحكومات ومحاولات العهد النفاذ من هيمنة السلاح والإفادة من الدعم الدولي، بحيث شكلت مجموعة الدعم الدولية المساندة لإعلان بعبدا.

 

ومع ذلك أجهز انفجار الثورة السورية والحرب في سوريا على كل محاولات تحييد لبنان عن ذاك المرجل الحربي الكارثي بفعل إخفاق الحكومة اللبنانية في منع تدفق مئات آلاف النازحين السوريين إلى لبنان وتقنين إيوائهم، كما بفعل التورط الدموي لـ”الحزب” في تلك الحرب خارج الحدود اللبنانية.

مارس تحالف “اتفاق مار مخايل” بين “التيار الوطني الحر” و”الحزب” لعبة الابتزاز الدستوري والمؤسساتي إلى ذروتها، قبل التجربة الأخيرة، حين عطل الانتخابات الرئاسية سحابة سنتين ونصف سنة بعد عهد الرئيس ميشال سليمان، إلى أن فرض الظروف القسرية التي فتحت الطريق أمام ميشال عون إلى قصر بعبدا. ومع ذلك سجل العهد العوني أسوأ ما أصاب عهدا في تاريخ لبنان، حتى في حِقَب الحرب، إذ جاء الانهيار الشمولي الكاسح للبنان على يده، بما هز أركان الحدود الدنيا من الأمان المالي والنقدي والمصرفي والاقتصادي والاجتماعي.

 

بدا واضحا ان اقتصاص التحالف من أركان الحريرية السياسية كما من معالم الدعم العربي والخليجي والدولي للبنان، دفع به إلى أن يغدو ما كان يحلو لنظام الملالي في إيران أن يتغنى به، من أن بيروت هي رابعة العواصم العربية التي تهيمن عليها طهران.

 

افتقر لبنان وتهاوى أسوة بقوس البلدان الرازحة تحت نير النفوذ الإيراني فعلا، وبدأت معالم الانهيار الداخلي تنذر بتحولات ليست لمصلحة المحور الممانع في لبنان، فكان القرار المركزي المتجدد لهذا المحور بتعطيل الانتخابات الرئاسية والهيمنة المطلقة على الحكومة حتى فرض رئيس الجمهورية الموالي للمحور. تمكن محور الممانعة فعلا من إيقاف الزمن اللبناني عند إرادته وتخطيطه وسلطته طوال مدة سنتين وبضعة أشهر، ستغدو من تراكمات مآثره المعتمة في سجل انقلابي طويل فشل في دفن الطائف، لكنه كان يلجأ إلى تعطيل جوهره ومؤسساته. لكن ما لم يحسب له محور الممانعة بجدية وعمق كافيين هو كلفة “ربط الساحات” بين غزة ولبنان، ووحدتها الميدانية الفادحة والتي أدت إلى مصير دراماتيكي غير متخيل لـ”الحزب”، فاق أسوأ ما يمكن تقديره من خسائر بشرية وهيكلية وعسكرية وقضى على معظم قدراته بعد اغتيال زعيمه التاريخيّ السيد نصرالله.

سبحة رسم العصر الجديد والحقبة التاريخية الجديدة الطالعة كرت في شكل خيالي مع انهيار نظام الأسد، وما كانت التحولات المتسارعة في لبنان في الشهرين الأخيرين سوى رأس جبل الجليد الطالع نحو تحول انقلابي في كل الإقليم.    ​

المصدر:
النهار

خبر عاجل