#adsense

شريعة الانحطاط (الدكتور جورج شبلي)

حجم الخط

كنت ممن اقتنعوا بأن عصور الانحطاط قد ولى زمانها، إن بحلول عصر النهضة الذي نقل المجتمعات من أجواء التعسف، والقهر، والرجعية، الى ضفة الرقي، والوعي، والفكر المنتج، وإن بعبور الإنسان العربي الى مرافق الحياة السياسية، والفكرية، والاجتماعية، ممهدا للأمة طريقا للتطور والانفتاح.

لكن ما جرى، في الشارع، خلال القريب من الزمن، جعلني أتردد على صعيد قناعتي تلك. فلم أر، في سلوك المحتشدين في الطرقات، إلا مظاهر التخلف، والتزمت، والتبعية، والتعفن في حفر التعصب والهمجية. وكأن المحتشدين افتقدوا لعصر الانحطاط، فبعثوه حيا بممارساتهم الممجوجة، وأكدوا على الهوة السحيقة التي تفصلهم عن كل مظهر من مظاهر الحضارة، والتمدن.

في بلادنا التي شدت الى الحياة الكريمة في وجهها اليقظ، اعتدى المحتشدون على الحريات والحقوق، غير أبهين بالقوانين، وبكرامة الناس، وبعلاقة لبنان الأممية…وتخطوا أصول التظاهر والحق في التعبير، بشكل أرعن، هجين، عدائي، مضايق حتى الاعتداء، ممقوت حتى القرف، ولا يصدر إلا عن جماعة مستقوية زورا، اعتادت على أساليب الترهيب، والقتل، ولما تزل واهمة بأنها القوة العظيمة التي حمت لبنان، وهو وهم يضخم من يسيطر عليه من قليلي العقول، حتى الورم المرضي، ما يذكرنا، تماما، بحكاية ” لافونتين “، المتعلقة بالضفدع الأبله الذي أراد أن يصبح بضخامة البقرة، فكانت نهاية انتفاخه انفجارا مدويا.

إن الشعب، وعلى مختلف فئاته، ومشاربه، يريد التخلص ممن يتربص باستقراره، في لحظة جنون، فالشعب ممتعض، حتى الاشمئزاز، والكره، من مسلكيات بشعة، لا جدوى منها، ولها انعكاسات سالبة على الأمن، والأمل بغد أفضل، ما يعيد الشعور باليأس القاتل. إن ما يزعمه المحتشدون، ومن وراءهم، من ترويجات سفسطائية، هو هش، وسرابي، وخائب، تخطته الوقائع، وختمت عليه الأحداث، وأسقطته المعادلات، وتصدت له تطلعات الشعب التائق الى العيش الراغد، المسالم، في وطن آمن لا تحبط فيه أحلام أجياله.

إن المحتشدين وقيادييهم الموهوبين، لم ينتبهوا، وعن قصد، الى أن الظروف المستجدة في لبنان، وفي جواره، وفي العالم أجمع، قد تجاوزتهم، وفرضت عليهم حيثية قبلوا بها، بالرغم منهم، وإن أصابتهم، ضمنا، بالخيبة والإحباط. بالإضافة الى أن مجريات الوقائع لم تصب في مصلحة خطتهم بالسيطرة على البلاد، وقد أتت نتائجها بعكس ما يشتهون، فما كان ممن تبقى في قيادتهم، إلا الركون الى التعويض عن الهزيمة، وذلك بإبراز أنيابهم في الداخل، بخطابات لاهبة، وحركات ” موستيكية ” انتهاكية، وعراضات فوضوية في الشارع، واعتداءات على الناس، والجيش، وعناصر القوة الدولية، كل ذلك لتمرير رسالة واضحة، للدولة والشعب، على السواء، ليست إلا :
” خليكم فزعانين منا “…

إن ما قام به المحتشدون، وما سوف يقومون به في القريب من الأيام، أيضا، ليس سوى تسول لحالة فقدوها، ولن يجنوا من حركاتهم إلا الإفلاس، فالأجدى أن يعودوا الى ما تبقى في أمخاخهم من رشد، ويحجموا عن المكابرة غير المجدية، ويلتزموا بمقامهم الواقعي، وينقلوا ولاءهم من الخارج الى لبنان، ويعلموا أن الحيثية الانتدابية سقطت والى غير رجعة، لانها شريعة انحطاطية، وأن صانعيها ومروجيها متخلفون حضاريا…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل