Site icon Lebanese Forces Official Website

لو عرفها.. (جوزيفين حبشي)

دُفن

بعد أيام قليلة سيتم تشييعه.

هو دُفن قبل أعوام عديدة تحت الأرض التي فيها مات قبل أشهر.

أتعلمون؟، أشعر بالأسف والحزن عليه، فهو عاش ومات في بيروت من دون أن يعرفها يوماً كما عرفناها نحن، كما عشناها نحن، كما عشقناها وتنفَّسناها نحن. هو لم يتجوّل يوماً في شوارع بيروت وأزقّتها، لم يتناول منقوشة زعتر مع “بونجوسة هرم” من أفرانها وهو يهرول ليلحق بالسرفيس، فيسمع مزيجاً من صوت فيروز في راديو “يخش” وتحليلات سياسية بين السائق والركّاب.

هو لم يشترِ مرّة جريدة النهار أو السفير اللتين تتشمّسان على  “كيوسكات” الرصيف، ولم يلمّع حذاءه عند ماسح الأحذية، ولم يتعمشق بالباص ليصل إلى عمله أو جامعته على الوقت على الرغم من زحمة السير الخانقة.

هو لم يشرب القهوة يوماً في “شايس” أو “ستاربكس” على ساحة ساسين، ولم يأكل الدجاج عند “لالا”، ولا حتى سندويش فلافل إكسترا “طراطور” من عند فريحة أو صهيون.

هو لم يقرأ كتاباً في مكتبات بيروت، ولم يشترِ اسطوانة لعبد الحليم وأم كلثوم، أو كاسيت لوائل كفوري، أو “CD” لإليسا من متاجرها. هو لم يشاهد فيلماً سينمائياً في صالاتها، لا ” Braveheart” ولا “Tatanic” ولا حتى “ويست بيروت” لزياد دويري. هو لم يحضر  أي حفل من حفلات أعياد بيروت، ولا أي مسرحية من مسرحيات يحيى جابر في مونو ودوار الشمس ومسرح المدينة. هو لم يرقص في الجمّيزة، ولم يغنِّ في الحمرا، ولم يضحك بصوت عالٍ في أحد مقاهي عين المريسة غير مبالٍ بالزبائن المنزعجين من قهقهاته وأخبار يظنها وحده “طريفة”.

هو لم يمارس رياضة الهرولة الصباحية على شاطئ البحر، ولم يركب “البيسيكلات” أو “السكوتر” يوماً في ساحة الشهداء، ولم يواعد أحداً على كورنيش الروشة، ولم يستمتع بمشهد الغروب على الرملة البيضاء، ولم يلتهم عرنوس ذرة مشويّ، ولم يشرب كوب جلّاب عند ساعات الفجر من باعة الطريق.

طريقه انتهى، ونعم، أشعر بالأسف والحزن عليه، فهو مات في ذلك اليوم في بيروت التي لم ولن يعرفها يوماً، لم ولن يعشها يوماً، لم ولن يستمتع بأجوائها وسحرها يوماً.

لو عاشها مثلنا، لو عرفها مثلنا، لكان مات في حبها حتماً، فأبقته هي حيّاً ربما، ولم يُمتها هو… ألف مرة ومرة.​

Exit mobile version