مع تزايد القلق الأوروبي والأوكراني بشأن التقارب الحاصل بين روسيا وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، سعت فرنسا إلى طمأنة حلفائها الأوروبيين بشأن الموقف الأميركي من الحرب الروسية الأوكرانية. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، اليوم الأربعاء، أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى فرض وقف إطلاق نار مؤقت أو هدنة هشة قد تمنح موسكو فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية، بل تركز على تحقيق اتفاق سلام دائم ومستدام.
التزام أميركي بسلام طويل الأمد
في مقابلة إذاعية مع “راديو آر تي إل”، أوضح بارو أن نظيره الأميركي، ماركو روبيو، أبلغه خلال اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين بأن الولايات المتحدة ملتزمة بدعم أوكرانيا على المدى الطويل، وأنها تسعى إلى حل شامل يضمن الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد تهدئة مؤقتة قد تعطي روسيا الفرصة لإعادة تنظيم قواتها العسكرية واستعادة زمام المبادرة في ساحة المعركة.
أشار بارو إلى أنه ناقش مع روبيو المخاوف الأوروبية من أن أي اتفاقية سلام غير محكمة قد تؤدي إلى تكرار سيناريو شبه جزيرة القرم في عام 2014، عندما استغلت موسكو وقف العمليات العسكرية لترسيخ وجودها في الأراضي التي استولت عليها. كما شدد على أن باريس لن تقبل بأي اتفاق لا يشمل ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، تضمن عدم تكرار العدوان الروسي مستقبلاً.
ماكرون يجدد التحذير من حلول غير مكتملة
تأتي هذه التصريحات في وقت يستعد فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعقد اجتماع جديد، اليوم الأربعاء، مع عدد من الدول الأوروبية وغير الأوروبية لمناقشة تطورات الأزمة الأوكرانية. ويأتي هذا الاجتماع بعد لقاء سابق ضمّ ماكرون إلى عدد من قادة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يوم الاثنين الماضي.
في هذا الإطار، حذر ماكرون من أن مجرد وقف إطلاق النار لن يكون كافياً لإنهاء النزاع، مؤكداً أن الحل الحقيقي يجب أن يحقق سلاماً دائماً مدعوماً بضمانات أمنية قوية، إضافة إلى ظروف اقتصادية وسياسية تضمن استقرار أوكرانيا على المدى الطويل. كما أشار إلى ضرورة تقديم التزامات واضحة تجاه كييف، بما في ذلك إمكانية إرسال مستشارين عسكريين أو حتى قوات محدودة لمساعدتها في تعزيز أمنها، وهو ما تؤيده بريطانيا لكنه يواجه معارضة من ألمانيا.
القلق الأوروبي من تقارب ترامب وبوتين
تصاعدت المخاوف الأوروبية بشكل خاص بعد استئناف التواصل المباشر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، حيث أجرى الطرفان مكالمة هاتفية الأسبوع الماضي ناقشا خلالها إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا. وزاد القلق الأوروبي مع إعلان القمة السعودية أمس عن توافق بين واشنطن وموسكو على عقد لقاء جديد لتطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين.
بالنسبة للقادة الأوروبيين، يثير هذا التقارب المخاوف من أن ترامب قد يتجه إلى تقديم تنازلات لصالح روسيا، قد تأتي على حساب المصالح الأوروبية والأوكرانية. ويخشى المسؤولون في بروكسل وباريس وبرلين من أن استراتيجية ترامب قد تكون قائمة على تقليص الدعم العسكري لأوكرانيا أو دفع كييف إلى تقديم تنازلات إقليمية لإنهاء النزاع.
ماكرون: ترامب قد يعيد إطلاق حوار مفيد مع بوتين
على الرغم من هذه المخاوف، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه يرى في ترامب شخصاً قادراً على إعادة إطلاق حوار مفيد مع بوتين، مشيراً إلى أنه بدوره مستعد لإجراء محادثات مباشرة مع الرئيس الروسي في “الوقت الملائم” كجزء من جولة المفاوضات المقبلة.
أشار ماكرون إلى أن التواصل الأميركي الروسي قد يكون ضرورياً لإيجاد مخرج دبلوماسي للحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة عدم تقديم أي تنازلات قد تضعف الموقف الأوكراني أو تسمح لموسكو بفرض شروطها على أوروبا.
مستقبل الأزمة الأوكرانية في ظل المتغيرات الدولية
مع استمرار الحرب في أوكرانيا، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام معضلة معقدة: فمن ناحية، تسعى الدول الغربية إلى إنهاء النزاع من دون الإضرار بمصالح أوكرانيا أو تعريض الأمن الأوروبي للخطر، ومن ناحية أخرى، تحاول الولايات المتحدة إعادة ضبط علاقاتها مع روسيا، وهو أمر قد يؤثر على مسار الصراع.
يبقى السؤال المطروح حالياً هو: هل ستتمكن الدول الأوروبية من التأثير على استراتيجية ترامب، أم أن الإدارة الأميركية ستتخذ مساراً مستقلاً قد يغير موازين القوى في الصراع الأوكراني؟ في ظل هذه التساؤلات، تتجه الأنظار إلى الاجتماعات الدبلوماسية القادمة، حيث سيحاول القادة الأوروبيون إيجاد صيغة تضمن تحقيق السلام العادل والمستدام في أوكرانيا، من دون السماح لموسكو بإعادة ترتيب صفوفها لاستئناف عملياتها العسكرية في المستقبل.
