

.jpg)
.jpg)
ربيع 1978 تحوَّلت أربعة أقضية مركزيَّة من قطاع شمال لبنان المسيحي إلى ما يشبه مسبحة تملَّصت حبكة زرداتها، وتفرَّق شمل حبّاتها، واندثرت بيوتها في زلزلة الأحقاد. ومن أسرار الفرح والمجد والنور رست أسرار الحزن على ليالي الشمال الحزينة..
بعضٌ من ثوابت وكلاء الوقف السياسي من تلك النواحي الشمالية المُنعم عليهم بالحصانة الإلهية قد ساءهم جدًا أنَّ بعضًا من “التائهين” عن بنود قوانين الرَّعية عنَّ على بالهم مغادرة بيت الطاعة، فاتحين بابه المصفَّح بواسطة الخلع والكسر فخرجوا منه “هراطقة” ابتدعوا لصلواتهم المتمرّدة مسبحةً حبَّاتها وبيوتها تتألف من خمسة أسرار الحرية.. وعلى وقع غضب الآلهة على هرطقةٍ غير مسبوقة، انتشرت محاكم التفتيش تطارد الضَّالين المغضوب عليهم في كل زاوية وكمِين وما حلَّ في المربَّع الشمالي المسيحي تحت وطأة فجائع ذلك الزمان، فإنَّ أصدق وأنزه مَن يقرأ تاريخه قراءةً منزَّهةً عن أسلوب الانتقائيات والغيبيات، ويا ويل الحقائق والوقائع الدامغة إن تحوَّل التاريخ مقهى لرواد الثرثرة!!
أيُّ روح قدس يفتح توقيته القدوس على حدثين مؤثِّرين مصيريين يتباعدان بين زمن وزمن ويتقاربان لأجل فعلين مؤثِّرين مصيرييَن لا يتجرأ عليهما إلاَّ مَن كانا باسم وصفة الفاعل والفعل
عام 1860، استغاث رئيس دير سيدة ميفوق الأب أفرام جعجع البشراوي بسلطانة النَّصارى كي تعضده وهو يفتح أبواب ديره لاحتضان النازحين عن أرض الفواجع والقرى المستباحة والبيوت المحروقة والأرزاق المسبية والجبل المنتقل من محرقة إلى محرقة.. صيف 1978، فتحت سيدة ميفوق مساحات ذراعيها لأولئك الملتجئين إلى ظلِّ حمايتها من كلّ مناطق التَّشرّد والتهجير ناجين بأرواحهم من معارك الإنزال بالطوَّافات القُطْرية السورية..
وفي لهيب آب ذلك الصيف “الأخوي” كانت بلدة كور البترونية هي بيت لحم قضاء مار يوحنا مارون، ولا خلاف أو اختلاف بين طبائع هيرودس وهيرودس.. الشيف سمير جعجع ورفاقه أعضاء أخوية مسبحة أسرار الحرية يقصدون ذات الدير الذي استقبل فيه عمه الأب أفرام جعجع مواكب المهرولين بدمائهم ودموعهم من كل محيط عاصمة الأمراء شهادةً لابن العذراء، مستبدلاً الخشبة ببقايا جدران مهدَّمة تتسَّع لأربعة أناجيل صلبه كصلبان من صناعة العام 1860. كصلبان من صناعة العام 1978.. كصلبانٍ تم إفراغها من معاني توبة لص اليمين كي يستبيحها المستهزئون الشامتون الجاعرون: “إن كنت حقًا إبن الله فانزل عن الصَّليب وخلِّص نفسك وخلِّصنا معك”!!
ـ دير مار شليطا القطَّارة
16 تشرين الثاني عام 1847 أصدر المجمع العام للرهبانية اللبنانية برئاسة الأب العام عمانوئيل الأشقر قرار فصل بعض عقارات أراضي دير سيدة ميفوق لغاية ضمها إلى دير رهباني جديد تقرَّر بناءه فوق مرتفع محلَّة القطّارة يكون على إسم القديس شليطا. وفي شهر أيار من العام 1848 تم إعداد بضعة قلالي لسكن رهبان الدير المولود فوق “عين رام”.
عام 1850 بدأ الأب العام لورنسيوس يمين الشبابي بورشة القطارة التي انتهت عام 1861 بإنجاز بناء الكنيسة الديرية. عام 1870 تحوَّل دير مار شليطا القطارة إلى مشروع معهدٍ رهباني يدرِّس اللغات الأجنبية ويخرِّج البارعين فيها. سيِّد بنَّائي أصلب رؤوس الزوايا يضع كل ثقله في هذا الدير الرمز، فأوحى لآباء مجمع مدبِّري الرهبانية فعقدوا يوم 23 أيلول 1878 مجمعًا عامًا في دير مار مارون عنايا، توسَّلوا فيه السيدة الميفوقية أن تنعطف بكرم يديها وسخاء قلبها على دير القطارة، فأكرمت على الدير النّاشئ بأملاك أخرى تم فصلها من أراضي “وطى سبتا” ومحلَّة “وادي الكروم”!
سيد الأزمنة والأمكنة كأنَّه أراد دير القطَّارة تكملة وتتمة لدير مار مارون العاصي وملكوتياته المحفورة صوامع خلقيدونية ثلاثمئة وخمسين راهبًا تم جزَّ أعناقهم من وريدها إلى وردياتهم.. فصل أملاك دير رهباني لصالح دير رهباني آخر يفصل بينهما صرح إيليجيٌ موَّن سلطانة الشهداء بسفك دماء دانيالها الحدشيتي وجبرائيلها الحجولاوي، وبرفعة قربان آرمياها العمشيتي، وسلطانة الشهداء كان لها من دير نذور “حيث لا ينذر الآخرون” ضريحٌ لولا سكانه الخمسة عشر ألف لكنا هويَّةً محنَّطة!!
ـ دير الإبتداء
أواخر درب آلام 1978، استقبل دير الجرد الجبَيلي أوَّل أفواج مبتدئيه فدخلوه باحتفالية طقوس “ثوار الشمال” ومعلِّم إبتدائهم حافظ جميع إشارات وعلامات طريق مشاها قريبه يوسف أنطون زعرور مخلوف من وداعة بقاعكفرا إلى وديعة دير سيدة ميفوق. الراهب الحرديني رجل رجال دير القطارة يفوِّر مونة القمح المشرِفة على مَدِّها الأخير، ويفوِّر روح الفداء في نفوس الشطَّار بتخليص مَن هم الأحوج إلى نعمة الخلاص، وهي النعمة التي أفاضت دفعات من دماء ذكية لم تكن هدرًا إلاَّ على المتباهين خِسَّة وسفاهة بنظافة أيديهم من الدم، وما من يدٍ تلوثت بالدماء كيدَي العذراء التي غمرت واحتضنت جميع أسابيع الصَّلب طيلة الأجيال والدهور.
ثوار الشمال لم يكونوا إلاَّ مقدِّمة لمجلَّدات هي أقرب إلى مجلَّدات “محيط المحيط”، صفحاتها كأديم السماء متَّسعٌ لكل قامة ووجه واسم من قامات ووجوه وأسماء حلَّت في سجلات دير القطارة حلول يوم القيامة. قامات وجوه وأسماء يا ويلنا كمواطنين وكوطن إن نسينا أو تناسينا واحدةً منها!!
ـ دير رهبان الأساكيم الزيتية
قطًّارة زيت خوابي الشرق ومصابيحه، شرق التجسُّد الإلهي لإنسانٍ يهتدي إلى قلب إلهه لا سيفه. قاطرة الكيان المُهدَّد حتى إيصاله إلى خطوط الأمام والأمان إنقاذًا من زجِّه في أشباه قطار سفر برلك واقتياده أسيرًا لذلك “القطر الشقيق”.. أنتَ الدير وحصنك الديري ردع كثيرًا من تجارب الشرِّير قبل أن يدخل الوطن في شرورها. أنتَ الوطن الناذر طاعته للذي كرَّسه وقفًا ربَّانيًا. الناذر عفَّته لنشيدٍ يكتب دعوة عرس الأزلية اللبنانية في آية: “هلمي معي من لبنان أيتها العروسة من لبنان”.
الأيام الجديدة تلوح وسيكون للرب فيها يوم يصنعه لنفرح ونتهلل به، وفي يوم الرب اللبناني ستنهض يا دير القطّارة ديانًا يدين أسباطنا برمَّتها، فإن كانت أجيال سلَّمت أجيالاً، فإنَّ المساءلة ستطال الذين سلَّموا كما الذين استلموا تبيانًا لمدى إدراكهم سموِّ قيمة ما سلَّموه واستلموه..
ديَّان بالحق أنت يا دير القطارة، والدينونة تشمل كل ما تحوَّل أو تم تحويله نقيضًا لك. أين رجالكَ الذين تركوا كل شيء وتبعوا دماءهم التي قادتهم إلى آلاف جراحٍ عميقةٍ لم تجد من يسدَّ فجواتها.. ديانٌ بالعدل وأنتَ الأحق بإدانة جميعنا من أوّلنا حتى آخرنا والمعلِّم ينذر: “الأولون يصبحون آخَرين والآخرون أوَّلين”. ديَّان قائم مقام رجالك الذين لم يتسابقوا يومًا إلاَّ إلى الجبهات الأخطر، ومن يقنعهم اليوم ويقنعنا بأنَّ الرُّتبَ والمقامات والمكاتب والإدارات وسائر طموحات الترؤس والتصدُّر ليست برمَّتها عدوةً ومن أخطر الأعداء، والمعلِّم الرب قد جزمَ وأكَّد: “أعداء الإنسان أهل بيته”، وأنت الدير والبيت والملاذ الذين يحموننا من إنذار يسوع لأهل أورشليم: “ها إنَّ بيتكم يُتركُ لكم خرابًا”!!
ـ ديرنا القيادي
أخوتنا. رفاقنا. رجالنا. أبطالنا الذين نالوا نعمة وغبطة عيشهم جمهورية دير مار شليطا القطَّارة، هم نخبة الرؤاة الذين عاينوا بعيونهم الأمينة جدًا للبصيرة الثاقبة الصائبة حقائق الوطن اللبناني في وجهها الأصلي، وهو غير هذا الوجه المحجور عليه في مراكز تجميلٍ أرهقت وجه الوطن وهي تحاول عبثًا تجميله بمساحيق من ماركة “الوحدة الوطنية” و”التعايش الأخوي” و”العيش المشترك”. ولعلَّ الأقدم بينها هو مسحوق “كلنا للوطن”…
إنَّ ما نعيشه منذ دولة لبنان الكبير، واستقلال الجنرال سبيرس داهية الإنكليز.. وطلاسم “ذو وجه عربي”.. وأطروحة “التَّفهُّم والتفاهم”.. وأرجوحة “لا غالب ولا مغلوب”. كل هذا الواقع اللابد على صدرنا كالقضاء والقدر يلهمنا إنشاد مزمور الاشتياق الأعظم لكن بصيغتنا الحميمة: “كما يشتاق الأيِّل إلى مجاري المياه كذلك تشتاق نفوسنا وأرواحنا وعقولنا إليكَ يا لبناننا، لبنان ديرنا دير مار شليطا القطّارة”!!!
كتب ميشال يونس في “المسيرة” ـ العدد 1761
لإشتراك في”المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]