
أجمل ما في البيان الوزاري انه آثار غضب الخطيئة في لبنان! غضبت الخطيئة لدرجة أنها فقدت توازنها بالكامل، ومع فقدان التوازن أعلنت حقيقتها المطلقة في مطار بيروت، فحمل شيعة ميليشيا إيران، الأعلام الإيرانية بدل الأعلام اللبنانية، ولوحوا بها تحديًا بوجه اللبنانيين وصرخوا بوقاحة الوقاحة “مش عاجبكن فلوا”، وحاولوا لصق صور نصرالله في مكاتب المطار كافة، فكانت المواجهة مع لبنانيين آخرين والقوى الأمنية بطبيعة الحال.
أجمل ما في البيان الوزاري، أنه أعلن حقيقة الشرخ الكبير في لبنان، بين بيئة “الحزب” الرافضة لكل ما هو خارج تلك البيئة، وكل اللبنانيين الآخرين الذين يريدون الأمن والسلام والدولة، يرفضون ما تمثله تلك البيئة من قيم مناقضة للأمان والسلام والقانون والدولة.
وكأن ذاك البيان الوزاري الجميل جرّد الحقيقة، وانتزع آخر أوراق التين عن عورة المتفلتين عن قوانين الدولة، فدخل هؤلاء في حال إنكار مرضية غريبة عجيبة، مترافقة مع حال تحدٍ تجاوزت كل الحدود، لدرجة محاولة فرض صور نصرالله في مرفق عام، وأكثر من ذلك، تحويل جنازة مَن له ما له مِن باع طويل في ترهيب اللبنانيين وتخوينهم وتدمير البلاد وانتهاك سيادتها، عدا عن عمليات الاغتيال والتفجيرات وما شابه من مازات إرهابية متنوعة مشكلة، على مائدة اضطهاد اللبنانيين، إلى “قديس” طوباوي جليل اجترح المعجزات، ولعل آخرها حرب الاسناد تلك، فتُوزع تربة من قبره على “المؤمنين”!!
كيف فعل البيان الوزاري كل ذلك، فخلع عن الميليشيات الوهيتها. أزال من بين حروفه أسوأ العبارات القاتلة للدولة اللبنانية على مدى أكثر من 30 عامًا، وهي كلمة “مقاومة”. لم يعد لبنان رهينة الكلمة وأبعادها. أزال البيان الوزاري في عهد الرئيس جوزيف عون سلاسل العبودية عن عنق الوطن، معلنًا الاستقلال بعد طول احتلال، عن منظومة جيش ـ شعب ـ مقاومة، لتتسلم الدولة وحدها قرار الحرب والسلم، والحق في المقاومة، وأهم الأهم، حصرية امتلاك السلاح والدفاع عن لبنان. وهنا، هنا بالذات جنّت الخطيئة، رفضت الأمر الواقع وهي التي فرضت أمرها الواقع المسلح لسنوات على لبنان، دخلت هي نفسها الآن في الانصياع ملزمة لأمر واقع جديد اسمه، الجيش ـ الشعب ـ الدولة، وأسوأ الأسوأ بعد، هي ملزمة للانصياع لحكم القانون، ولعلها مصيبة المصائب عند تلك البيئة، تلك الخطيئة.
لا تستوعب هذه البيئة كيف يمكن أن تعود “مواطنة” لبنانية، لها حقوقها وعليها واجبات، بعد أن اعتادت على نهب الحقوق وتجاهل الواجبات مؤدية فرضًا واحدًا أحدًا لا سواه، هو الولاء لإيران، فترى نفسها ملزمة من خلال البيان الوزاري، بالولاء للبنان، إذ جعلها مواطنة عادية ككل المواطنين، عليها احترام القانون والا ستحاكم! هذا كثير غير مقبول بالنسبة لهم، فقد اعتادوا أن ما لهم لهم، وما لنا، لنا ولهم وبالقوة!
بقوة الشرعية انتزع البيان الوزاري حقه في طرح ما يؤمن ويؤمن به اللبنانيون كافة، من قيم المواطنة الحقيقية، بينما هم حكموا لبنان باللاشرعية وسطوة الدويلة وظلم المحتل، فهبط البيان الوزاري على رؤوسهم صاعقة وطن، كهربت كل مخططاتهم المستقبلية بولاية واعدة، كل شيء فيها خاضع إلا لبنان.
قاسي البيان الوزاري، صفع الدويلة في صميمها، فقررت أن ترمي كل ما تعلمته على مرّ السنين من صراخ وتحدي ووقاحة في محاولة لفرض أمر واقع جديد، “ما تفكرونا ما انتصرنا، غصب عنكن منتصرين”، وهم لا يجدون وسيلة لإثبات النصر المبين، سوى الصراخ، واجتياحات الموتسيكلات، وافتعال إشكالات في المطار بين من هو قادم منهم من طهران وأمن المطار، وحتى مع الناس.
اجترح البيان الوزاري إذًا ببنوده العالية الجودة في انتمائها الى أبسط القواتين التي ترعاها وتتبعها الدول المحترمة، أعجوبة غالية اسمها “الدولة”، وألغى بالفعل ذاته خطيئة الدويلة، فلم تجد تلك الأخيرة منفذًا لها إلا بتحركات شعبوية فارغة، من جماعة الثنائي الشيعي الكريم، في محاولة يائسة لإثبات أننا “هنا”، لم ننتهِ من مشروعنا، لم نتراجع، لم ننهزم، علمًا أن المنتصر الفعلي لا يحتاج لكل تلك الضوضاء لإعلان نصره، فالنصر فعل صارخ على أرض الواقع ولا يحتاج لا الى مبشرين ولا الى غاضبين، ولا الى “زعران” شوارع يزرعون الفوضى لإثبات الوجود.
قاتل البيان الوزاري ليس فقط ببنوده التي ترسخ حكم الدولة والقانون، ولكن لأنه سطر من دون أن يكتب، نهاية مدوية لميليشيا لم تفعل على مرّ السنين الا مقاومة قيامة الدولة الفعلية، فكانت النهاية المدوية التي حُفرت بخيط من… حرير، وما عاد لتلك البيئة ترف النوم على حرير المقاومة المفترضة بعد اليوم.
